غوارديولا وإيطاليا... عندما يصطدم المدرب بأزمة المنظومة
ما إن طُرح اسم الإسباني بيب غوارديولا لتدريب المنتخب الإيطالي، حتى بدا الأمر للكثيرين كأنه طوق النجاة لواحدة من أعرق المدارس الكروية في العالم. قد يكون من الصعب أن تجد اسماً أكثر إغراءً من المدرب الذي غيّر بعضاً من مفاهيم اللعبة، إلاأن هذا الطرح، على جاذبيته، يشي بأن أزمة الكرة الإيطالية تتعدى أزمة مدرب إلى معضلة منظومة كاملة، وأن استقدام غوارديولا قد يغير العنوان، لكنه لن يغير جوهر المشكلة.
لا تعاني الكرة الإيطالية نقصاً على مقاعد البدلاء، بقدر الندرة في اللاعبين الذين يمكنهم تنفيذ أفكار أي مدرب، مهما بلغت عبقريته. وهذا ما أقر به رئيس الاتحاد الإيطالي غابرييلي غرافينا، عندما تحدث عن ضرورة إعادة بناء منظومة تطوير المواهب، معتبراً أن الأزمة تتجاوز نتائج المنتخب إلى البنية التي تنتج اللاعبين. الاعتراف الرسمي بوجود خلل في قاعدة الهرم يعني أن المشكلة لا تبدأ مع المدرب، ولا تنتهي بإقالته.

ولهذا يبدو اسم غوارديولا أقرب إلى محاولة للهروب من مواجهة الحقيقة. فالرجل لم يعمل طوال مسيرته في بيئة تعاني فقراً في المواهب. في برشلونة وجد تشافي وإنييستا وميسي، وأكاديمية "لا ماسيا" التي كانت تضخ جيلاً استثنائياً. وفي بايرن ميونيخ تسلم فريقاً بطلاً لأوروبا، يضم نوير ولام ومولر وروبن وريبيري. أما في مانشستر سيتي، فقد وجد إدارة لم تتردد في إنفاق مئات الملايين لتوفير اللاعبين الذين يناسبون فلسفته، من رودري إلى روبن دياز وصولاً إلى إرلينغ هالاند.
لا شك في أن غوارديولا مدرب استثنائي، لكنه لم يكن يوماً ساحراً يصنع اللاعبين من العدم، بل كان يعمل دائماً بأفضل الأدوات المتاحة. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين تدريب نادٍ ومنتخب. ففي النادي يستطيع المدرب أن يطلب لاعباً جديداً إذا افتقد مركزاً معيناً، أما في المنتخب فلا يملك سوى ما تنتجه أكاديميات بلاده وأنديتها.
وإزاء هذا الأمر، تصطدم فلسفة غوارديولا بالواقع الإيطالي. فأسلوبه يعتمد على لاعبين يمتلكون جودة تقنية عالية، وقدرة على الاحتفاظ بالكرة تحت الضغط، ووعياً تكتيكياً يسمح لهم بتطبيق أفكار معقدة. لكن إيطاليا اليوم تعاني تراجعاً واضحاً في إنتاج هذا النوع من اللاعبين، وهو ما دفع المدرب التاريخي أريغو ساكي إلى انتقاد اعتماد الأندية المتزايد على اللاعبين الأجانب، محذراً من أن ذلك يأتي على حساب تطور اللاعب الإيطالي ويضعف مستقبل المنتخب.
الأزمة تمتد أيضاً إلى فلسفة إدارة اللعبة، فالأندية الإيطالية تفكر بمنطق النتائج السريعة، فتبحث عن لاعب جاهز من الخارج بدلاً من انتظار موهبة محلية تحتاج إلى سنوات من العمل. ومع مرور الوقت، تراجعت فرص اللاعب الإيطالي الشاب في المشاركة، فتقلصت قاعدة الاختيار أمام المنتخب، وأصبح المدرب، أيّاً يكن اسمه، يعمل بخيارات أقل جودة من تلك التي امتلكتها الأجيال السابقة.
ربما يستطيع غوارديولا إعادة الانضباط، وتحسين الأداء، ومنح المنتخب شخصية أكثر وضوحاً، لكن لا أحد يستطيع أن يطلب من مدرب، مهما بلغت قيمته، أن يعوض سنوات من التراجع في تطوير المواهب، أو أن ينتج خلال أشهر ما فشلت المنظومة في إنتاجه طوال عقدين.
المفارقة أن تعيين غوارديولا، إذا تم، قد يكون الاختبار الأصعب في مسيرته، لأنه سيكون أول مشروع لا يستطيع فيه اختيار لاعبيه أو شراء من يناسب فلسفته. وللمرة الأولى سيُطلب منه التكيف مع واقع لا يمكنه تغييره. وهنا لن يُختبر المنتخب الإيطالي فقط، بل ستُختبر أيضاً إحدى المسلمات التي رافقت مسيرة المدرب الإسباني: إلى أي مدى تستطيع الفلسفة وحدها أن تصنع الفارق عندما لا تملك الأدوات التي بُنيت عليها؟ فإذا نجح، فسيضيف إلى سجله الإنجاز الأكثر تعقيداً، لأنه سيُثبت أن أفكاره قادرة على تجاوز محدودية الواقع. أما إذا أخفق، فلن يكون سقوطاً لغوارديولا بقدر ما سيكون إدانة جديدة لمنظومة كروية اعتقدت أن تغيير المدرب يمكن أن يعوض سنوات من تراجع صناعة اللاعب.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
"القرار السياسيّ اتّخذ بوضوح في مجلس الوزراء لحصر السلاح، والنّص الدستوريّ يُخضع القوّات المسلحة اللبنانية لسلطة مجلس الوزراء، وبذلك أصبح أيّ تنفيذٍ لتفتيش منازل أو أيّ إجراء آخر ضمن سقف القانون"...
نبض