الأرجنتين في كأس العالم 1986... رحلة قميص مزيّف غيّرت عالم كرة القدم
جاد كعكوش
يتنافس صناع الألبسة الرياضية من "أديداس" و"بوما" الألمانيتين إلى "نايكي" الأميركية، مع بداية كل موسم على لقب أجمل قميص كرة القدم والأكثر مبيعاً، ولكن يظل موسم كأس العالم هو اللحظة التي تنتظرها الشركات الكبرى من أجل جمع أكبر قدر من الأرباح، من خلال بناء قميص لا يمثل فقط منتخباً، بل يقدّم لمحة تاريخية عن شعب كامل ويمثّل لباساً رسمياً على مدى البطولة.
ومع تقدّم التكنولوجيا، بات لكل شركة فرق كبيرة من المصممين يعملون على إنتاج أفضل القمصان، بدايةً بالتصميم والألوان، وصولاً إلى الشكل والأداء على أرض الملعب، إذ يدخل خلال هذه العملية الكثير من التفاصيل الدقيقة التي لا يراها المشاهد العادي، والتي تساهم في زيادة الفعالية على أرض الملعب وتساعد اللاعبين على إخراج أفضل ما لديهم من دون الشعور بثقل القميص (حرفياً).
ويبدأ متابعو كرة القدم قبل انطلاق أي نسخة من كأس العالم التحضير وشراء قمصان منتخباتهم المفضلة، إن كانت الأصلية أو المقلدة، لتظهر هنا قصة قميص الأسطورة دييغو أرماندو مارادونا ومنتخب الأرجنتين المقلّدة خلال مباراة ربع النهائي أمام منتخب إنكلترا في كأس العالم 1986، والذي تحوّل من قميص عادي إلى أيقونة بيعت في المزاد العلني بسعر قياسي بلغ 7.1 ملايين جنيه إسترليني.
واليوم، تعود المواجهة ذات الطابع السياسي الأكبر بين منتخبي الأرجنتين وإنكلترا لتتكرر في نصف نهائي كأس العالم 2026.
يوم وجدت الأرجنتين قميصها في شوارع المكسيك
قبل المواجهة المحتدمة في ربع النهائي بين الأرجنتين وإنكلترا، وبما أنّ منتخب "الأسود الثلاثة" سيلعب بقميصه الأبيض المعتاد، أبلغ الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" الأرجنتين بوجوب دخول ملعب "الأزتيكا" بقمصان داكنة، قرار سبب قلقاً للاعبين ولمدرب منتخب "التانغو" كارلوس بيلاردو، لأن القميص الاحتياطي لم يكن مناسباً للطقس الحار، فقد كانت قمصان المنتخب التي لعبوا فيها أمام الأوروغواي في دور الـ16 مصنوعة من القطن السميك الثقيل، والتي يستحيل ارتداؤها يوم المباراة تحت أشعة الشمس المكسيكية في منتصف النهار.
إلى ذلك، ولحل المشكلة توجهت مجموعة من الطاقم الإداري ومسؤولي المعدات في المنتخب برفقة الحارس الاحتياطي هيكتور زيلادا إلى تيبيتو في نيو مكسيكو، والتي تعتبر من الأحياء الشعبية النابضة بالحياة، إذ تتميز بالتجارة غير الرسميّة من الأفلام إلى الثياب الرياضية، وخلال فترة كأس العالم يصبح الشارع مليئاً بقمصان المنتخبات المقلدة العالية الجودة، المصنوعة في ورش محلية بمواد أخف وزناً.
وعند إيجادهم المكان المثالي، كانت المفاوضات سريعة وشبه خيالية، فلم يصدق البائعون أنّ أعضاء حقيقيين من منتخب الأرجنتين يشترون قمصاناً يعلمون أنها مزيفة. ولكنها كانت مثالية: بوليستر أزرق خفيف الوزن مطرز عليه شعار شركة "لو كوك سبورتيف" الفرنسية، وتكاد تكون مطابقة للقمصان الرسمية لكنها أقل وزناً بكثير.
اللمسات الأخيرة قبل الملحمة الكروية
بعد إحضار نسختين مختلفتين، أخذ دييغو أرماندو مارادونا على عاتقه اختيار الأنسب ما بينهما، فبعد نظرة واحدة على أحد القميصين، قال: "هذا القميص جميل جداً، سنهزم إنكلترا به".
من بعدها، اشترى الاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم 38 قميصاً، وبدأوا العمل مع موظفين من كلوب أميركا المكسيكي على جعل القمصان مناسبين لمباراة إنكلترا، إذ كانوا يتطلبون خياطة شعارات المنتخب عليها وكيّ أرقام اللاعبين. أما من أجل الشعارات، فاستخدم الاتحاد شعارات قديمة من كأس العالم 1978 وخيطوها باليد.

ووصف روبن موشيلا، أحد أعضاء الطاقم الإداري خلال حديثه لموقع الاتحاد الأرجنتيني: "صورة عمال تجهيز المعدات وهم يعملون حتى وقت متأخر من الليل، ويخيطون الشعارات التي تخرج أحياناً ملتوية، والأرقام غير متناسقة، والاختلافات الواضحة بين قميص لاعب وآخر".
ويعد هذا القميص من التحف الأيقونية في تاريخ كأس العالم وكرة القدم عامةً، إذ بات مربوطاً بلحظتين كرويتين متناقضتين، أولاها سرقة مارادونا لهدف التقدم ضارباً الكرة بيده في ما عرف لاحقاً بـ"يد الله"، وثانياً إبداع اللاعب نفسه في تسجيله للهدف الثاني أو "هدف القرن"، مراوغاً جميع خصومه من منتصف الملعب، بمن فيهم الحارس قبل التسجيل.
وبعد المباراة، بدل مارادونا أحد قميصيه مع لاعب المنتخب الإنكليزي ستيف هودج الذي باعه في المزاد العلني، ولم تلبس قمصان "تيبتو" الزرقاء مرةً أخرى. بعضها لا يزال في مجموعات خاصة، والبعض الآخر اختفى. مع ذلك، تبقى قيمة القميص في رمزيته، فهو يمثل قدرة مجموعة على حلّ مشكلة قد تبدو مستحيلة بسرعة وبراعة خالصة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
لون الحكمة والهدوء يخطف الأنظار بأناقته
نبض
