إنكلترا والأرجنتين... ستة عقود من الصراع خارج حدود الملعب

رياضة 13-07-2026 | 20:35

إنكلترا والأرجنتين... ستة عقود من الصراع خارج حدود الملعب

المنتخبان التقيا أربع مرات فقط في كأس العالم، ومع ذلك أنجب هذا التاريخ القصير عدداً من اللحظات التي غيّرت اللعبة نفسها
إنكلترا والأرجنتين... ستة عقود من الصراع خارج حدود الملعب
الأرجنتيني دييغو مارادونا يسجل هدف "يد الرب" في الشباك الإنكليزية عام 1986. (وكالات)
Smaller Bigger

يمكن النظر إلى أي مباراة في نهائيات كأس العالم على أنها صراع كروي فوق العشب الأخضر، غير أن اللقاء المرتقب الأربعاء بين الأرجنتين حاملة اللقب وإنكلترا على ملعب "مرسيدس بنز" في مدينة أتلانتا الأميركية، يتخطى هذا الوصف، إلى الخصومة اللامتناهية، إذ يتجدد فيها صراع لم يتوقف منذ ستة عقود، رغم أن أبطاله يتغيرون باستمرار.

عالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبفاكس، صاحب نظرية "الذاكرة الجماعية"، يرى أن المجتمعات لا تحفظ الماضي كما وقع، بل تعيد بناءه بما يخدم هويتها في الحاضر. وهذا ما يفسر كيف بقيت حوادث تعود إلى ستينات القرن الماضي وثمانيناته حاضرة في كل مواجهة بين المنتخبين. الإنكليز يستحضرون "يد الله" بوصفها رمزاً للظلم، بينما يستعيد الأرجنتينيون ربع نهائي 1966 باعتباره دليلًا على انحيازٍ تحكيمي لم يُنسَ، وبالتالي الحدث واحد، لكن الذاكرة تصنع روايتين مختلفتين.

من هنا، تبدو حرب جزر فوكلاند تفسيراً ناقصاً لهذه الخصومة. صحيح أنها منحتها شحنة سياسية هائلة بعد عام 1982، لكن العداء سبق الحرب بسنوات. ففي ربع نهائي مونديال 1966، فجّر طرد قائد الأرجنتين أنطونيو راتين أزمة ما زالت تُستحضر في الأدبيات الكروية، وساهمت لاحقاً في ترسيخ فكرة استخدام البطاقات الصفراء والحمراء لتوحيد قرارات الحكام وتوضيحها. لم تكن الحرب بداية الخصومة، بل كانت الشرارة.

 

الإنكليزي بيكهام يحتفل بعد تسجيله في شباك الأرجنتين من ركلة جزاء عام 2002. (وكالات)
الإنكليزي بيكهام يحتفل بعد تسجيله في شباك الأرجنتين من ركلة جزاء عام 2002. (وكالات)

 

 

يذهب المؤرخ الرياضي ديفيد غولدبلات إلى أن "الساحرة المستديرة" لا تصنع النزاعات السياسية، لكنها تمنحها مسرحاً جماهيرياً هائلاً. وما حدث بين إنكلترا والأرجنتين يؤكد ذلك. فبعد أربع سنوات فقط من حرب فوكلاند، دخل دييغو مارادونا ملعب "أزتيكا" المكسيكي، ليبصم على أكثر الدقائق تناقضاً في عالم عالم كرة القدم، فسجل هدفاً بيده، ثم بعد دقائق يسجل ما وصفه كثيرون بأعظم هدف في تاريخ كأس العالم. لم يكن الهدفان مجرد لحظتين كرويتين، بل تحولا إلى رمزين متناقضين؛ في إنكلترا يمثلان الخداع، وفي الأرجنتين يُمثلان الذكاء والانتقام الرمزي.

لكن اللافت أن هذه الخصومة لم تُبنَ على كثرة المواجهات. فالمنتخبان التقيا أربع مرات فقط في كأس العالم، ومع ذلك أنجب هذا التاريخ القصير عدداً من اللحظات التي غيّرت اللعبة نفسها. من قضية راتين، إلى "يد الله"، إلى طرد ديفيد بيكهام في 1998، ثم ركلة الجزاء التي سجلها اللاعب نفسه في 2002 وأطاحت الأرجنتين من الدور الأول. قليل من المنافسات أنتج هذا الكم من الرموز في عدد محدود من المباريات.

ويشرح عالم الاجتماع نوربرت إلياس أن الرياضة الحديثة أصبحت وسيلة لتصريف التوترات بين الجماعات بصورة رمزية، بدلًا من المواجهة المباشرة. لذلك، لا يمكن فهم إنكلترا والأرجنتين باعتبارهما منتخبين فقط، بل بوصفهما هويتين وطنيتين تتنافسان داخل مساحةٍ آمنة اسمها كرة القدم. ولهذا، فإن الجماهير لا تشاهد المباراة بحثاً عن النتيجة فحسب، بل عن انتصار لروايتها الخاصة.

المفارقة أن اللاعبين الذين سيخوضون نصف نهائي 2026 لم يعيشوا حرب فوكلاند، ولم يشاهد معظمهم حوادث 1966، لكنهم سيدخلون المباراة وهم يحملون إرثًا صنعته الأجيال السابقة. هنا تتجلى قوة الذاكرة الجماعية؛ فهي لا تنقل الوقائع فحسب، بل تنقل المشاعر أيضاً.

 

 

وربما لهذا السبب حاول مدرب الأرجنتين ليونيل سكالوني التقليل من البعد التاريخي للمواجهة، مؤكداً قبل المباراة أنها "مجرد مباراة كرة قدم". لكنه يدرك، كما يدرك مدرب "الأسود الثلاثة" الألماني توماس توخيل، أن مثل هذه المباريات لا يملك المدربون وحدهم السيطرة على معناها. فالجماهير، والإعلام، والتاريخ، جميعها تشارك في كتابتها قبل أن تبدأ، وهذا يقود الى خلاصة أن المواجهة الانكليزية- الأرجنتينية تُلعب أولاً في الذاكرة.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 7/13/2026 10:10:00 PM
اتهم الحوثيون السعودية في وقت سابق بقصف مدرج مطار صنعاء الذي يسيطرون عليه.
لبنان 7/12/2026 11:00:00 PM
تؤكد نتائج فحوص الحمض النووي أن الجثامين التي عُثر عليها في وادي السلوقي تعود إلى الشبان المفقودين في جنوب لبنان منذ حزيران/يونيو الماضي.
لبنان 7/13/2026 4:21:00 PM
بيّنت التحقيقات الأولية أنه تدرّج في عدد من المناصب القيادية ضمن التنظيم، إلى أن تولّى منصب الأمير الأمني العام لما يُسمّى بـ"ولاية الجنوب" و"ولاية الوسط" في سوريا