آسيا وأفريقيا في مونديال 2026... طريقان مختلفتان إلى التعثر
وسط زخم النتائج والمفاجآت التي حملتها كأس العالم 2026، برزت حقيقة تستحق التوقف عندها، وهي أن تعثر آسيا وأفريقيا لم يكن نتيجة أزمة واحدة، بل نتيجة مسارين مختلفين قادا إلى النهاية نفسها.
القارتان دخلتا البطولة بطموحات كبيرة بعد زيادة عدد المقاعد، وكلتاهما خرجت قبل أن تصبح طرفاً حقيقياً في الصراع على اللقب، باستثناء المغرب ومصر. لكن التشابه توقف عند النتيجة، لأن أسباب التعثر لم تكن واحدة. فما تعانيه أفريقيا ليس ما تعانيه آسيا، وما ينقص الأولى ليس ما ينقص الأخرى، فكشف المونديال الأخير بالتالي أن القارتين تقفان أمام تحدّيين مختلفين تماماً.
غياب القوة الجماعية
لأعوام طويلة، كانت أفريقيا تخوض معركة إثبات أحقيتها بتمثيل أكبر في كأس العالم، بحجة أن حصتها لم تكن تعكس حجمها ولا إمكانياتها البشرية، فجاءت نسخة 2026 لتمنحها فرصة تاريخية، فتأهّلت تسعة منتخبات إلى الأدوار الإقصائية، في رسالة واضحة بأن المشكلة لم تكن يوماً في استحقاق القارة للحضور. المشكلة لم تعد في الوصول إلى المباريات الكبرى، بل في الفوز بها. السنغال كانت على بعد دقائق من إقصاء بلجيكا، والرأس الأخضر جرّ الأرجنتين إلى وقت إضافي، والكونغو الديمقراطية أرهقت إنكلترا، لكن النهاية كانت واحدة؛ أداء مقنع، وفرص حقيقية، ثم خروج مؤلم.
تكمن أزمة أفريقيا الحقيقية في أنها لم تعد تفتقد إلى المواهب، بل ربما أصبحت أكبر خزان بشري لكرة القدم العالمية. يكفي النظر إلى قوائم أكبر الأندية الأوروبية لكشف حجم الحضور الأفريقي عند أعلى مستويات اللعبة. اللاعب الأفريقي لم يعد مشروعاً للمستقبل، بل أصبح نجماً في الحاضر، وهو ما أسهم مدربون مثل الفرنسي آرسين فينغر في ترسيخه عندما أثبتوا أن الجودة الأفريقية قادرة على قيادة مشاريع تنافس على أكبر الألقاب. ويمكن القول إن أفريقيا ربحت معركة إنتاج اللاعب، لكنها لم تحسم بعد معركة بناء المنتخب.

ولعل ما قاله المدرب الإيطالي الشهير أريغو ساكي يختصر جوهر هذه الأزمة، حين أكد أن الفريق ليس مجموعة من اللاعبين الموهوبين، بل مجموعة تؤمن بهدف مشترك، وتعمل ضمن منظومة واحدة. فالفريق، في النهاية، فكرة قبل أن يكون أسماء.
مدرسة قارية مفقودة
أما آسيا، فقد كشفت البطولة أنها تواجه معضلة مختلفة تماماً. فالقارة لا تعاني نقصاً في المشاريع، بل على العكس، تمتلك نماذج تستحق الإشادة. اليابان بنت مشروعها على مدى ثلاثة عقود، وكوريا الجنوبية رسخت حضورها العالمي، وقطر استثمرت في البنية التحتية والتكوين، والسعودية دخلت مرحلة جديدة من الاستثمار الرياضي، وأوزبكستان بدأت تحصد ثمار عمل طويل في الفئات العمرية. ومع ذلك، خرجت سبعة منتخبات آسيوية من دور المجموعات، ثم ودعت اليابان وأستراليا البطولة من أول اختبار في الأدوار الإقصائية، لتنتهي مشاركة القارة بأسرها قبل ربع النهائي.
لكن المشكلة هنا ليست في غياب التخطيط، بل في غياب المدرسة. فنجاح اليابان لم يتحول إلى نموذج آسيوي يُحتذى، كما لم تنتج كوريا الجنوبية جيلاً جديداً من المشاريع المشابهة، ولم يتحول الإنجاز القطري إلى تجربة قارية قابلة للتكرار. وما زالت النجاحات تبدو كأنها جزر منفصلة؛ لكل دولة مشروعها، ولكل تجربة ظروفها الخاصة، من دون أن تنشأ هوية كروية آسيوية جامعة.
ثمة مفارقة كبرى بين القارتين، أفريقيا تمتلك رأس المال البشري، لكنها تبحث عن المنظومة التي تحول المواهب إلى أبطال. وآسيا تمتلك مشاريع واعدة، لكنها لم تنجح بعد في تحويلها إلى مدرسة كروية تنتج نماذج جديدة باستمرار. الأولى تصدّر اللاعبين أكثر مما تصدر المنتخبات، والثانية تبني مشاريع أكثر مما تبني ثقافة قارية. ولهذا بدا أن المسافة التي تفصل كلتاهما عن القوى التقليدية ليست في المهارة ولا في الطموح، بل في القدرة على تحويل النجاح الفردي أو المحلي إلى إرث جماعي مستدام.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
نبض
