كيف تُحسم المباريات الكبرى خارج المستطيل الأخضر؟
ليست كل المباريات الكبرى تُحسم بقدم لاعب أو بقرار مدرب، فبعضها يبدأ في مكان لا تلتقطه الكاميرات أساساً.
بينما تتجه الأنظار نحو المستطيل الأخضر، تدور مواجهات أخرى خلف الكواليس، يقودها أشخاص لا يسمع الجمهور أسماءهم، لكنهم قد يصنعون الفرق بمعلومة، أو قراءة، أو تفصيلة صغيرة تصل في اللحظة المناسبة.
فالمنتخبات الكبرى لم تعد تشارك في البطولات العالمية، مثل كأس العالم، بجهاز فني يقتصر على المدير الفني ومساعديه فقط، بل أصبحت تضم محللي أداء، ومتخصصين في البيانات، وخبراء فيديو.
يعمل هؤلاء طوال المباراة كأنهم يخوضون مواجهة موازية، يرصدون أدق التفاصيل، ويحلّلون المتغيّرات، ويبحثون عن أيّ معلومة قد تمنح منتخبهم أفضلية، مهما بدت بسيطة.
ولعل ما حدث مع منتخب مصر أمام أستراليا في دور الـ32 من كأس العالم 2026 يجسد هذه الفكرة بوضوح.
فعندما اتجهت المباراة إلى ركلات الترجيح بعد انتهاء الأشواط الإضافية بالتعادل، تحوّلت أنظار الجميع إلى الحارس البديل رايان، الذي دخل من أجل هذه اللحظة تحديداً باعتباره أحد أهمّ أوراق الحسم للمنتخب الأسترالي.
وبينما اتجهت أنظار الجميع إلى الحارس داخل الملعب، انشغل محمود سليم، محلّل أداء منتخب مصر، بشاشة الحاسوب. ففي دقائق معدودة، بدأ برصد وتحليل معظم ركلات الجزاء التي واجهها رايان خلال مسيرته، ليدرس اتجاهاته، ويرصد عاداته في التعامل مع المنفذين، ثم ينقل هذه المعلومات إلى اللاعبين قبل انطلاق ركلات الترجيح، حتى يدخلوا التنفيذ وهم يملكون صورة أوضح عما ينتظرهم أمام المرمى.
ورغم أنّ تنفيذ ركلات الترجيح يبقى مسؤولية اللاعبين في المقام الأول، فإنّ امتلاك مثل هذه التفاصيل يمنحهم أفضلية ذهنية في أكثر لحظات المباراة ضغطاً، وهو ما بدا واضحاً بعدما نجح لاعبو منتخب مصر في تسجيل كل ركلاتهم، ليظهر أثر العمل الذي أُنجز بعيداً من عدسات الكاميرات.

لم يكن دور محمود سليم مجرّد موقف عابر، بل انعكاساً للتطوّر الذي شهدته كرة القدم الحديثة، حيث لم تعد المباريات تُدار من المنطقة الفنية وحدها، بل أصبحت تُحسم أيضاً بما يحدث خلف الشاشات، حيث تُراجع اللقطات، وتُحلل البيانات، وتُتخذ قرارات قد تغير مجرى المباراة في دقائق معدودة.
لهذا، لا ينبغي أن يُختزل الانتصار في اسم اللاعب الذي سجل، أو المدرب الذي احتفل، لأنّ الصورة دائماً أكبر مما تبدو عليه. ففي زمن أصبحت فيه كرة القدم لعبة تفاصيل، لم يعد كل من يصنع الانتصار يقف داخل المستطيل الأخضر، فبعض المباريات يبدأ حسمها من خلف الكادر، قبل أن تنتهي باحتفال داخل الملعب.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
بعد 20 يوماً على انقطاع الاتصال بالشبان الأربعة قرب بلدتي برعشيت ومجدل سلم، نجحت دورية من الجيش اللبناني في العثور على جثثهم في وادي السلوقي، وبينهم الجريح محمد علي حسن.
نبض
