الكرة العالمية في عصر تعدّد الأقطاب وانحسار القوى التقليدية
عرفت كرة القدم العالمية، ولا سيما "درّة تاج" المسابقات، أي كأس العالم، سيطرة طويلة من القوى التقليدية العظمى، ولا سيما ألمانيا والبرازيل وإيطاليا وفرنسا والأرجنتين؛ ووجودهم في الأدوار النهائية للمونديال أمر بديهيّ، لكن المفاجأة تكمن في خروج أحد هذه المنتخبات مبكراً.
لكن في مونديال أميركا الشمالية الموسّع إلى 48 منتخباً، اتسعت دائرة المنافسة، حيث المشهد تبدّل كلياً، وأسماء صنعت تاريخ اللعبة تراجعت، وأخرى كانت حتى الأمس القريب مغمورة أو تبحث عن ظهور مشرّف اقتحمت المنافسة بثقة.
ينظر إلى هذا الأمر، للوهلة الأولى، على أنه مجرد تعاقب للأجيال أو تراجع موقت للمنتخبات المشهورة. لكن التعمّق يقود إلى أن ما يجري هو انتقال تاريخي من نظام كروي احتكاري لمجموعة محدودة من منتخبات الصفوة، إلى نظام متعدد الأقطاب، تتوزع فيه القوة والمعرفة والقدرة على المنافسة بين عدد متزايد من المنتخبات.
ولكشف حجم التحول ينبغي النظر إلى تاريخ البطولة؛ فمنذ انطلاق كأس العالم 1930، توزّعت الألقاب على أوروبا وأميركا الجنوبية، حيث كانت منتخباتها تحتكر ثلاثة عناصر حاسمة، أفضل اللاعبين، وأفضل المدربين، وأفضل بيئة لتطوير المواهب، أما البقية من منتخبات العالم، فكانت تحاول اللحاق بها.

لكن العولمة نثرت تأثيرها على اللعبة الشعبية، على غرار الاقتصاد والسياسة، فلم تعد أحدث المناهج التدريبية أو التحليل الرقمي أو علوم التغذية والطب الرياضي أسراراً محفوظة داخل عدد محدود من الاتحادات، بل أصبحت متاحة للجميع.
يتكوّن اللاعب المغربي أو الياباني أو الكندي أو السنغالي حالياً في الأكاديميات ذاتها، ويتدرب على يد المدربين أنفسهم، ويلعب في أقوى الدوريات الأوروبية جنباً إلى جنب مع نجوم ألمانيا وإيطاليا والبرازيل والأرجنتين؛ وحين تتساوى أدوات الإنتاج، يصبح من الطبيعي أن تتقارب النتائج.
يقول مدير تطوير كرة القدم العالمية في الاتحاد الدولي "فيفا"، الفرنسي آرسين فينغر، "ثمة فجوة كبيرة بين أوروبا وبقية العالم، والفيفا يتحمل مسؤولية ضمان تطور كرة القدم بالمعدل نفسه في كل مكان"، وأضاف في مناسبة أخرى "كل موهبة في العالم تريد أن تأتي إلى أوروبا لأنها المكان الذي تستطيع فيه اللعب على أعلى مستوى".
مدرب أرسنال الإنكليزي السابق كان يشرح كيف أصبحت المعرفة الكروية تنتقل بسرعة، وكيف تقلصت الفوارق التي صنعت احتكار القوى التقليدية لعقود.
ولعل المونديال الحالي يقدم الدليل الأكثر وضوحاً على هذا التحول، حيث لم يقتصر الأمر على اتساع قاعدة المشاركة، بل امتد إلى اتساع قاعدة المنافسة أيضاً؛ فقد حققت أفريقيا أفضل إنجاز في تاريخها بعدما تأهل 9 من أصل 10 منتخبات إلى الدور الثاني، بنسبة نجاح بلغت 90%، وهي الأعلى بين جميع القارات. في المقابل، تأهل 13 من أصل 16 منتخبًا أوروبيًا، و5 من أصل 6 منتخبات من أميركا الجنوبية. وتؤكد هذه الأرقام أن احتكار الكبار للطريق نحو الأدوار المتقدمة لم يعد قائمًا كما كان لعقود.
في المقابل، يعدً الحديث عن "سقوط الكبار" تبسيطًا للمشهد، فإيطاليا لم تتوقف عن إنتاج المواهب، وألمانيا لم تفقد هويتها، وهولندا ما زالت مدرسة كروية عريقة، وأوروغواي لا تزال تملك الإرث الذي جعلها أول بطل للعالم، إنما الذي تبدّل هو أن الامتيازات التي تمتعت بها هذه المدارس لم تعد حكرًا عليها. لقد امتلك الآخرون الأدوات نفسها، فتقلصت الهوة التي ظلت لعقود تفصل بين القمة وبقية العالم.
ويرى المؤرخ الكروي البريطاني، ديفيد غولدبلات، أن العولمة لم تغيّر اقتصاد كرة القدم فحسب، بل أعادت تشكيل اللعبة نفسها، بعدما أصبحت المواهب والمعرفة تتحرك عبر الحدود بوتيرة غير مسبوقة. وإذا كانت العولمة قد أعادت توزيع رأس المال في العالم، فإنها في كرة القدم أعادت توزيع القوة.
في الماضي، كانت القوى التقليدية تحتكر وسائل إنتاج التفوق، فيما اليوم أصبحت هذه الوسائل متاحة للجميع؛ ولذلك لم يعد مستغرباً أن تتغير خريطة المنافسة. لقد أصبحت التفاصيل، وجودة المشروع، والاستقرار الفني، هي التي تصنع الفرق.
نبض
