أكاديمية أسباير... المشروع الذي غيّر وجه كرة القدم القطرية
لم يكن التطوّر الذي شهدته كرة القدم القطرية خلال العقدين الأخيرين وليد الصدفة أو نتيجة نجاح عابر، بل جاء ثمرة مشروع طويل الأمد استند إلى التخطيط العلمي والاستثمار في تطوير المواهب منذ الصغر.
وفي قلب هذا المشروع، برزت أكاديمية أسباير، التي تحوّلت منذ تأسيسها عام 2004 إلى الركيزة الأساسية لبناء أجيال جديدة من الرياضيين، وأسهمت مباشرةً في نقل الكرة القطرية إلى مرحلة المنافسة القارية والدولية.
ورغم وجود العديد من الأكاديميات الرياضية حول العالم، نجح القليل منها في بناء سمعة عالمية خلال فترة زمنية قصيرة كما فعلت أسباير، التي اعتمدت نموذجاً يجمع بين التعليم الأكاديمي والإعداد الرياضي، بهدف تطوير اللاعب على المستويين الشخصي والفني، لا داخل الملعب فقط.
رؤية طويلة المدى لصناعة المواهب
جاء تأسيس الأكاديمية انطلاقاً من رؤية تهدف إلى اكتشاف أفضل المواهب الرياضية في قطر في سن مبكرة، والعمل على تطويرها ضمن بيئة متكاملة توفر التعليم، والتدريب، والرعاية الصحية، وعلوم الرياضة الحديثة.
ولا يقتصر دور الأكاديمية على كرة القدم، بل تشمل مختلف الألعاب الرياضية، إلا أنّ تأثيرها كان الأبرز في كرة القدم، بعدما أصبحت المصدر الرئيسي لتغذية المنتخبات الوطنية والأندية بالمواهب، حتى باتت تشكل حلقة الوصل بين الفئات العمرية والمنتخب الأول.
وتعتمد أسباير على معايير دقيقة في اختيار اللاعبين، عبر شبكة واسعة من الكشافين الذين يركزون على اكتشاف المواهب في المراحل العمرية المبكرة، قبل إدخالها في برامج تطوير تمتد لسنوات، مع الاهتمام بالاحتياجات الفردية لكل لاعب ووضع خطط خاصة لتطوير نقاط القوة والضعف لديه.
بيئة متكاملة لصناعة اللاعب
وفرت الأكاديمية واحدة من أكثر البيئات الرياضية تطوّراً في العالم، إذ تضم مدرسة خاصة، و12 ملعباً لكرة القدم، وأكبر صالة رياضية مغطاة ومكيّفة في العالم، إلى جانب مسبح أولمبي، ومرافق لألعاب القوى، والإسكواش، والجمباز، والمبارزة، وتنس الطاولة، إضافة إلى مركز متخصص في علوم الرياضة وتطوير الأداء، وعيادة طبية، ومساكن طلابية، وقاعات تعليمية ومحاضرات.
ولا تعتمد أسباير على البنية التحتية وحدها، بل على المحتوى العلمي ومنهجية العمل. فالأكاديمية تضم أكثر من 400 موظف من 55 دولة، بينهم مدربون وخبراء في علوم الرياضة، عملوا على توحيد منهج تدريبي يهدف إلى إعداد اللاعب للمنافسة على أعلى المستويات، مع التركيز على التطوّر الذهني والفني والبدني.
صناعة جيل غيّر تاريخ الكرة القطرية
بدأت ثمار المشروع بالظهور تدريجاً، بعدما تخرج من الأكاديمية أكثر من 650 رياضياً خلال 15 دفعة، يزيد عدد لاعبي كرة القدم منهم على نصف المتخرّجين.
وأصبح هؤلاء اللاعبون العمود الفقري للمنتخبات القطرية، إذ شكّل متخرّجو أسباير القوام الأساسي للمنتخب المتوّج بكأس آسيا للشباب عام 2014، ثم لمنتخب قطر الذي حقق لقب كأس آسيا 2019 للمرّة الأولى في تاريخه، بعدما ضم 15 لاعباً من متخرّجي الأكاديمية، بينهم سبعة لاعبين في التشكيلة الأساسية.
إلى ذلك، انعكس المشروع على المشاركة التاريخية لقطر في كأس العالم 2022، إذ ضمت قائمة المنتخب 18 لاعباً من أصل 26 تخرجوا في أسباير، بينهم لاعبون في مختلف المراكز، وهو ما أكد نجاح المشروع في بناء منتخب متكامل من إنتاج محلي.
وبرز من بين متخرّجي الأكاديمية عدد من أبرز نجوم الكرة القطرية، في مقدمتهم عبد الكريم حسن، الفائز بجائزة أفضل لاعب في آسيا عام 2018، وأكرم عفيف، الذي نال الجائزة ذاتها في العام التالي، إلى جانب المعز علي، هداف كأس آسيا 2019 وأفضل لاعب في البطولة، والحارس سعد الدوسري، فضلاً عن أسماء أخرى مثل بسام الراوي، وعاصم ماديبو، وطارق سلمان، ويوسف حسن، وهمام الأمين وغيرهم.

فلسفة تقوم على التطوير المستمرّ
يرى القائمون على الأكاديمية أنّ النجاح لا يرتبط بالنتائج الآنية، بل باستمرار إنتاج المواهب. ولذلك تركز الإدارة على المستقبل أكثر من الإنجازات الحالية، من خلال تطوير أجيال جديدة قادرة على مواصلة رفع مستوى الكرة القطرية وتعزيز قدرتها على منافسة المنتخبات الكبرى.
وترتكز المنهجية على إعداد اللاعب للحياة الاحترافية، من خلال تطوير شخصيته، وتعليمه كيفية الاستعداد للتدريبات والمباريات، والتعامل مع الضغوط، لا الاكتفاء بتطوير مهاراته الفنية فقط.
كذلك، تعتمد الأكاديمية على برامج تقييم مستمرّة، تضع اللاعبين أمام تحديات مختلفة لاختبار قدراتهم الذهنية والفنية، بما يضمن انتقالهم تدريجاً إلى أعلى مستويات المنافسة.
تأثير تجاوز حدود قطر
لم يقتصر دور أسباير على تطوير كرة القدم القطرية، بل امتد إلى خارج البلاد من خلال مشروع "أسباير أحلام كرة القدم"، الذي انطلق عام 2007 واستمر عشر سنوات، بهدف اكتشاف المواهب في دول أفريقية وآسيوية وأميركا اللاتينية، ودعم تطوير كرة القدم في الدول التي تمتلك إرثاً كروياً لكنها تفتقر إلى الإمكانات.
وأثمر المشروع اكتشاف عدد من اللاعبين الذين أصبحوا نجوماً على الساحة الدولية، من أبرزهم السنغالي موسى واغي، أصغر لاعب أفريقي يسجل هدفاً في تاريخ كأس العالم، إلى جانب النيجيريين فرانسيس أوزوهو وهنري أونيكورو.
نموذج للتخطيط الرياضي
أثبتت تجربة أكاديمية أسباير أنّ بناء المنتخبات القوية يبدأ من الاستثمار في الإنسان قبل النتائج، وأنّ التخطيط الطويل المدى قادر على تغيير واقع كرة القدم خلال سنوات قليلة. فمن خلال الجمع بين التعليم، والتدريب، وعلوم الرياضة، والاستقرار في العمل، نجحت الأكاديمية في إنشاء نموذج أصبح أحد أبرز مشاريع تطوير المواهب في آسيا، وأحد أهم الأسباب وراء التحوّل الذي شهدته كرة القدم القطرية خلال السنوات الأخيرة، مع استمرار العمل لإنتاج أجيال جديدة قادرة على الحفاظ على هذا التطوّر والمنافسة على أعلى المستويات.
هل تكرّر السعودية النموذج القطري؟
وإن كانت أكاديمية أسباير أثبتت أنّ الاستثمار المنهجي في الفئات العمرية قادر على تغيير مكانة دولة كروياً خلال أقل من عقدين، فإنّ السعودية تبدو اليوم كأنها تسير على النهج نفسه، ولكن بأدوات تتناسب مع حجمها وإمكانياتها. فمن خلال إنشاء مراكز إقليمية لاكتشاف المواهب، وتطوير أكاديميات الأندية، وإطلاق برامج التأهيل الخارجي، والاستثمار في علوم الرياضة والبنية التحتية، تسعى المملكة إلى بناء قاعدة مستدامة من اللاعبين القادرين على المنافسة قارياً وعالمياً. واستضافة البطولات الكبرى، وتطوير المسابقات السنية، ورفع مستوى الدوري عبر استقطاب نخبة من اللاعبين والمدربين العالميين، لا يُنظر إليها كأهداف مستقلة، بل كعناصر ضمن مشروع أشمل يهدف إلى تسريع تطوّر اللاعب السعودي وإعداده للاحتراف في أعلى المستويات.
ورغم أنّ الحكم على نجاح هذه الرؤية يحتاج إلى سنوات، كما حدث مع التجربة القطرية، توحي المؤشرات الحالية بأنّ السعودية لا تراهن على النتائج الآنية بقدر ما تراهن على بناء منظومة متكاملة لإنتاج المواهب. وإذا نجحت في الحفاظ على استمرارية العمل والتكامل بين الاتحاد والأندية والأكاديميات، فقد تشهد الكرة السعودية خلال العقد المقبل تحوّلاً مشابهاً لما حققته قطر، ولكن على نطاق أوسع، مستفيدةً من قاعدة جماهيرية وسكانية أكبر، وإمكانيات مالية وتنظيمية تجعلها قادرة على ترسيخ نفسها كإحدى أبرز القوى الكروية في القارة الآسيوية.
نبض