عرب مونديال أميركا الشمالية... سقطت عقدة الخوف وبقيت عقدة الانتصار
على وقع منسوب عال من التفاؤل، دخلت المنتخبات العربية منافسات كأس العالم 2026 لكرة القدم التي تدور رحاها في بلدان أميركا الشمالية الثلاث، فيما الجولة الأولى من دور المجموعات تظهر حقيقة أكثر تعقيداً من الأرقام والشعارات.
لم يحقق أيٌّ من المنتخبات العربية الفوز، وإن كان الحديث عن إخفاق عربي شامل لا يعكس ما جرى على أرض الملعب، حيث فرض المنتخب المغربي التعادل على البرازيل، وظهر نداً لندّ أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً في تاريخ اللعبة. وبعد المباراة، لخّص المدرب محمد وهبي المشهد بقوله "أنا فخور جداً باللاعبين لأنهم تحلّوا بالجرأة، وتجرّأوا على الحفاظ على السيطرة على الكرة وعلى الضغط".
لم تكن الجرأة التي تحدث عنها مدرب "أسود الأطلس" تفصيلاً عادياً؛ فالمنتخب المغربي لم يلعب بعقلية الفريق الذي يسعى للخروج بأقلّ الخسائر، بل بعقلية منتخب بات مقتنعاً بأنه قادر على منافسة الكبار، وهذا ما جعل أشرف حكيمي ورفاقه يتحسّرون بعد المباراة باعتبار أنهم أهدروا فوزاً إزاء "راقصي السامبا".
ينطبق الأمر نفسه على المنتخب المصري، حيث إنّ التعادل مع البلجيكي لم يكن نتيجة دفاع متأخّر أو حظ عابر، بل ثمرة أداء منظّم جعل حسام حسن يؤكّد بعد اللقاء "أظهرت المباراة أننا كنا أقرب للفوز".

كذلك، نجح المنتخب السعودي في انتزاع نقطة ثمينة من الأوروغواي بعد مباراة أظهرت شخصية واضحة لـ"الأخضر". وقال المدربه اليوناني يورغوس دونيس "نتيجة اليوم تمنحنا ميزة في المباراة المقبلة، حيث ستكون مفتاح التأهل للمرحلة التالية".
أما "العنابي" القطري، فقد حقق أول نقطة في تاريخه بكأس العالم بعد تعادل قاتل ضد السويسري. ورغم أن النقطة لا تغيّر شيئاً في سجل الأرقام الكبيرة، فإنها تعكس تطوراً واضحاً مقارنة بما حدث في نسخة 2022. وكان تعليق مدرب قطر خولين لوبيتيغي أنه "حتى لو لم نسجّل هدف التعادل، لكنت فخوراً بالعقلية والانضباط لدى عناصر فريقي".
في المقابل، كشفت الجولة الأولى عن أن بعض المنتخبات العربية لا تزال بعيدة عن المستوى المطلوب. تونس كانت الخيبة الأكبر. الخسارة أمام السويد 1-5 كانت بمنزلة انهيار كامل انتهى بإقالة المدرب صبري لموشي بعد ساعات من المباراة وتعويضه بمواطنه هيرفيه رينار.
وتلقى العراقي العائد إلى المسرح الكروي العالمي، بعد غياب 40 سنة، خسارة قاسية أمام النروج 1-4. لكن النتيجة أخفت بعض التفاصيل. "أسود الرافدين" نافسوا خلال فترات من المباراة، غير أن الفوارق ظهرت أمام مهاجم بحجم إرلينغ هالاند، فيما دفعت الأخطاء الفردية وقلّة الفاعلية الهجومية الفريق إلى خسارة أكبر مما عكسه الأداء.
أما المنتخب الجزائري، فكان ضحية مواجهة مبكرة مع الأرجنتين حاملة اللقب. لكن اللافت أن المدرب البوسني فلاديمير بيتكوفيتش لم يركّز بعد المباراة على الفوارق الفنية بقدر ما ركّز على الجانب الذهني، عندما أبلغ لاعبيه أنهم احترموا الأرجنتين أكثر مما ينبغي، وهي ملاحظة تختصر جانباً مهماً من واقع بعض المنتخبات العربية أمام الأسماء الكبرى.
ويبقى الأردني حالة مختلفة، فالخسارة أمام النمسا بقيادة المدرب الألماني "الخبير" رالف رانغنيك، في أول مشاركة مونديالية، كانت مؤلمة، لكنها لم تكن مخجلة، إذ رأى مدرب "النشامى" المغربي جمال السلامي أن النتيجة لا تعكس حقيقة ما قدّمه فريقه، مؤكّداً "قدّمنا مباراة كبيرة، والنتيجة لا تعبّر عن عطاء المنتخب الأردني".
ثمة منتخبات خرجت من الجولة الأولى وهي أكثر اقتناعاً بقدرتها على التأهل، مثل المغرب ومصر والسعودية وقطر، فيما وجدت منتخبات أخرى نفسها أمام ضرورة التصحيح السريع إذا أرادت البقاء في دائرة المنافسة، مثل تونس والعراق والجزائر، بينما يحاول الأردن تحويل الأداء المشجع الذي قدّمه في ظهوره المونديالي الأول إلى نقاط تبقي حلمه قائماً.
لم تكشف الجولة الأولى أن الكرة العربية أصبحت من القوى الكبرى في العالم، في الوقت الذي لم تثبت عجزها عن منافسة تلك القوى. ما كشفته ببساطة أن عدداً من المنتخبات العربية تعلّم أخيراً كيف يقف بوجه الكبار، من دون خوف أو عقدة نقص. لكن الخطوة التالية تبقى الأصعب، وهي تحويل الاحترام الذي فرضته في الملعب إلى انتصارات.
نبض
