عقد فينيسيوس الجديد... عندما تصبح ملاعب المونديال طاولة للمفاوضات
تشهد كواليس نادي ريال مدريد واحدة من أعقد معارك النفوذ الإداري والفني في العصر الحديث، حيث تحوّل ملف تجديد عقد النجم البرازيلي فينيسيوس جونيور، والذي ينتهي بحلول الصيف المقبل، إلى صراع استراتيجي مكتمل الأركان.
مع دخول المفاوضات نفقاً مسدوداً بسبب الفجوة الرقمية الواسعة بين المطالب المالية الفلكية للاعب، والتي يزعم البعض أنها وصلت إلى المطالبة بالحصول على 30 مليون يورو، والسقف الصارم الذي تفرضه إدارة فلورنتينو بيريز، اتخذ الجناح البرازيلي خطوة بالغة الخطورة بتأجيل الحسم إلى ما بعد نهائيات كأس العالم؛ في مقامرة علنية ترهن القيمة السوقية والسطوة التفاوضية بنجاح الميدان المونديالي.
هذا التأجيل لا يمثل مجرّد مناورة اقتصادية لتحسين شروط التعاقد، بل يعكس رغبة دفينة من اللاعب في استعادة مكانته كـ"النجم الأول والوحيد" للمشروع الرياضي العاصمي؛ وهي المكانة التي باتت مهددة مباشرةً منذ وصول كيليان مبابي. فانضمام النجم الفرنسي أحدث خللاً في موازين القوى الرمزية داخل "البرنابيو"، نظراً للزخم الإعلامي والجماهيري الذي يحيط بالفرنسي.
من هنا، يرى المقرّبون من الدوائر الرياضية أنّ فينيسيوس يواجه ضغطاً مزدوجاً؛ فهو لا يحارب فقط لتأمين عقد مالي يضعه في الفئة الأولى عالمياً، بل يقاتل لإثبات أحقيته في زعامة الفريق الفنية، مستغلاً المونديال كأعلى منصة لعرض القوة.
مع ذلك، فإنّ الرهان على بطولة مجمعة بحجم كأس العالم يحمل في طياته مخاطر كبرى قد ترتد عكسياً على مسيرة النجم البرازيلي. فالتاريخ القريب يشير إلى أنّ إدارة ريال مدريد، وتحديداً تحت قيادة بيريز، لا تنصاع للمبالغات المالية ولا تقيم وزناً للعواطف عندما يتعلق الأمر بالانضباط الهيكلي للنادي. وثمة شواهد تاريخية عديدة تؤكد هذه السياسة الصارمة، لعل أبرزها رحيل الأسطورة كريستيانو رونالدو بعد أزمة شبيهة، ومن بعده القائد سيرجيو راموس، ثم كريم بنزيما؛ إذ تتبنى الإدارة مبدأ ثابتاً مفاده أنّ الكيان هو من يصنع النجوم وليس العكس، وأنّ أي لاعب، مهما بلغت نجوميته، يمكن تعويضه.

تزداد المعضلة تعقيداً عند النظر إلى طبيعة المنافسة غير المباشرة بين قطبي الفريق في المونديال؛ فالمنتخب الفرنسي الذي يقوده مبابي، يدخل البطولة كمرشح تقليدي دائم، وأي إنجاز جديد يحققه الفرنسي مع "الديوك" سيعزز تلقائياً شرعيته كقائد مستقبلي للمنظومة المدريدية، ما يضعف الموقف التفاوضي لفينيسيوس بحدة في حال تعثر البرازيل التي لا تعيش أفضل مستوياتها في السنوات الأخيرة.
في المقابل، يدرك فينيسيوس أنّ قيادة "السامبا" نحو منصة التتويج ستجبر إدارة مدريد على الخضوع لشروطه، خوفاً من خسارة بطل العالم مجاناً، وهو سيناريو يمثل كابوساً تسويقياً للنادي الملكي.
تُظهر المؤشرات أنّ الموسم الحالي لن يكون مجرّد سباق لحصد الألقاب الجماعية، بل سيكون حرب نفوذ صامتة بين قطبين يدرك كل منهما أنّ التفوّق في المونديال هو الصك الوحيد لامتلاك مفاتيح "البرنابيو". وإذا ما أصرّت الإدارة على موقفها، وتمنع اللاعب مستنداً إلى توهجه الدولي، فإنّ ذلك قد يمهد لبداية النهاية لقصة فينيسيوس في العاصمة الإسبانية، وفتح الباب أمام وجهات بديلة مستعدة لتلبية طموحاته المالية، سواء في الدوري الإنكليزي أو في إطار المشاريع الكبرى للمستثمرين في المنطقة العربية.
نبض