أشرف حكيمي... عبقرية "الترس" في زمن "النجم الأوحد"
يقيّم الإعلام الرياضي الحديث عبقرية لاعبي كرة القدم من خلال "البريق الفردي" وهوس الأرقام القياسية للمهاجمين، بينما يهمّش الأدوار الجماعية الحاسمة التي تُبنى عليها منصّات التتويج.
في هذا السياق، يبرز النجم المغربي أشرف حكيمي كنموذج استثنائي يعيد الاعتبار لمفهوم "اللاعب الترس"؛ ذلك العنصر الهيكلي الذي لا يبحث عن مجد شخصي معزول، بل يمثل حجر الأساس الذي تدور حوله منظومات الفوز في كبرى أندية النخبة الأوروبية.
لا تكمن عظمة مسيرة حكيمي في محطة واحدة، بل في قدرته النادرة على الحفاظ على نسق تصاعدي ثابت وسط بيئات تكتيكية متباينة وضغوط جماهيرية هائلة. فمنذ مدرسة التأسيس في ريال مدريد، حيث تشرّب عقلية الفوز بالبطولات الكبرى في سن مبكرة، مروراً بنضجه التكتيكي المتفجر مع بوروسيا دورتموند، ثم إنتر ميلان تحت قيادة أنتونيو كونتي وصقل أدائه الدفاعي الصارم، وصولاً إلى مرحلة الهيمنة مع باريس سان جيرمان؛ يثبت حكيمي مرونة فائقة تجعله ركيزة أساسية لا غنى عنها في أي مشروع كروي يطمح للسيادة.
لغة الأرقام والبطولات تأتي لتحسم من رصيد السردية الإعلامية التقليدية وتمنح النجم المغربي إنصافاً تاريخياً لا لبس فيه. فبعد تحقيقه لقب دوري أبطال أوروبا للمرّة الثالثة في تاريخه، إثر احتفاظ باريس سان جيرمان باللقب هذا الموسم، أصبح حكيمي أول لاعب عربي في التاريخ يصل إلى هذا الإنجاز، متجاوزاً بذلك السقف الذي وقف عنده أساطير القارة الأفريقية.
هذا الحضور الرقمي لا يعكس مجرّد وجود شرفي، بل تترجمه الإحصائيات الفنية من حيث معدل التمريرات المفتاحية، ونسبة نجاح الالتحامات الثنائية، والقدرة البدنية الهائلة على تغطية الرواق الأيمن بأكمله، رابطاً خطوط الدفاع بالهجوم بسلاسة ديناميكية نادرة، إلى جانب أهدافه وتمريراته الحاسمة.
وتكتمل هذه اللوحة الجماعية عند الانتقال إلى المستوى الدولي، إذ لم يكن حكيمي مجرّد لاعب موهوب في صفوف "أسود الأطلس"، بل كان المحرّك القائد لملحمة مونديال قطر 2022 الشاهدة على العبور التاريخي إلى نصف النهائي. هناك، تجلت التضحية التكتيكية في أبهى صورها من خلال الالتزام بأدوار مركبة، ما عكس نضجاً كروياً يضع مصلحة المجموعة فوق أي رغبة في الاستعراض الفردي، ثم أعقبه الفوز ببرونزية أولمبياد باريس 2024، وصولاً إلى كأس الأمم الأفريقية 2025.

وعند وضع هذه المسيرة في إطار مقارنة تكتيكية مع بروفايلات هجومية كلاسيكية، كمحمد صلاح الذي يتغذى على الأرقام الفردية والجوائز القياسية التي تمنحه هالة إعلامية جارفة، يتضح الفارق الجوهري بين بريق الشهرة وعمق التأثير. فالأرقام الفردية قد تصنع النجومية الفورية وتجذب الشاشات، لكن الثبات وتحقيق الألقاب الكبرى المتتالية مع فرق مختلفة هو ما يصنع الفارق الحقيقي في تاريخ اللعبة الجماعية الأولى في العالم.
نبض