باريس سان جيرمان يحكم أوروبا... وأرسنال بطل غير متوّج!
حين وصف مدرب ارسنال ميكيل أرتيتا نهائي بودابست بكلمة واحدة فقط "الألم"، بدا مدركاً أن ما حدث أكبر بكثير من خسارة اللقب القاري، حيث وصل الفريق اللندني فعلاً إلى الباب الأخير في أوروبا، ثم اكتشف أن عبور هذا الباب يحتاج شيئاً مختلفاً تماماً عن كل ما أوصله إليه.
كشفت المباراة نفسها ذلك بوضوح، اللقاء الذي استضافه ملعب "بوشكاش أرينا" في العاصمة الهنغارية، ربما رأى نهائياً متوازناً انتهى بركلات الترجيح، لكن ما حدث داخل الملعب كان مختلفاً، إذ أن الفريق الفرنسي فرض هيمنته عبر السيطرة الكاملة على إيقاع المباراة وشعور لاعبي أرسنال أنفسهم. حتى بعد هدف كاي هافيرتز المبكر، لم يتصرف الفريق الفرنسي كمن تلقى ضربةً في نهائي أوروبي، فاستمر في نهجه المعتاد، كأن الهدف مجرد تفصيلٍ موقت في مباراة يعرف جيداً أنها ستعود إليه مع الوقت.
لعب فريق "الغانرز" النهائي بعقلية فريق يريد إثبات نفسه على هذه الساحة، بينما لعب باريس بعقلية فريق بات يشعر أن البطولة جزء من سلطته الطبيعية وخصوصاً منذ وصول المدرب الاسباني لويس إنريكي الذي حقق اللقب القاري الثالث في مسيرته ليعادل صديقه بيب غوارديولا.
المدرب الإسباني قال بعد المباراة: "لقب الموسم الماضي كان مميزاً، لكن هذا اللقب يعني أكثر لأننا اضطررنا للمعاناة". وهذه الجملة وحدها تختصر شخصية باريس الحالية. الفريق الذي اكتسح إنتر بخماسية في نهائي العام الماضي، وجد نفسه هذه المرة في مباراةٍ معقدة ومغلقة ومليئة بالتفاصيل النفسية، لكنه لم يفقد هدوءه. حتى عندما تأخر، بقي يلعب بالطريقة نفسها. الاستحواذ وصل إلى 75%، لكن الرقم الأهم لم يكن نسبة السيطرة على الكرة، بل السيطرة على أعصاب المباراة نفسها.

المفارقة أن أرسنال قدّم أكثر مبارياته نضجاً أوروبياً، ومع ذلك خسر، لأن النهائيات القارية لا تكافئ الفريق الأفضل تكتيكياً فحسب، بل الفريق الأكثر برودة حين تبدأ المباراة بالخروج من المنطق.
حتى ركلات الترجيح كشفت هذه الحقيقة، الفريق الباريسي دخل السلسلة كأنه يعرف مسبقاً أنه سينجو، بينما بدا أرسنال مثقلاً بتاريخٍ كامل من الاقتراب دون الوصول. حين تقدّم غابرييل لتنفيذ الركلة الأخيرة، لم يكن المشهد مجرد لاعب أهدر ركلة، بل لحظة تختصر طبيعة هذا الفريق حالياً: ممتاز، شرس، منظم، لكنه ما زال يبحث عن تلك القسوة النهائية التي تملكها الفرق التي تعودت على السيطرة الأوروبية.
وهنا تظهر عبقرية "لوتشو" الحقيقية، الرجل لم يبنِ باريس عبر النجوم، بل عبر التخلص من فكرة الاعتماد عليهم، فرحيل كيليان مبابي لم يضعف الفريق كما توقع كثيرون، بل حرّره.
باريس كان يتصرف في النهائي كفريق يعرف تماماً ما الذي يفعله، وكان واضحاً أن النهائي سيُحسم في التفاصيل النفسية قبل الفنية. أرسنال حاول جرّ المباراة إلى معركةٍ بدنية مغلقة، لكن باريس كان مرتاحاً داخل هذا السيناريو، لأنه لم يعد ذلك الفريق المتوتر الذي ينهار عند أول صدمة أوروبية.
لهذا يبدو الحديث عن "خسارة أرسنال" وحدها تبسيطاً لما جرى في بودابست. الحقيقة أن أوروبا شهدت إعلاناً واضحاً عن ولادة قوة تاريخية جديدة. باريس سان جيرمان لم يعد مجرد نادٍ ثري يحاول شراء المجد، بل فريق يفرض نفسه الآن داخل النقاش المرتبط بأعظم فرق أوروبا الحديثة. فريق احتفظ تقريباً بالتشكيلة نفسها لعامين متتاليين، وفاز بدوري الأبطال مرتين، وتحول من مشروعٍ دعائي إلى مؤسسة كروية تملك هوية حقيقية.
أما أرسنال، فرغم الألم، يبدو أنه وصل أخيراً إلى المرحلة التي تتحول فيها الخسارة نفسها إلى وقود. أرتيتا قال بعد المباراة: "ينبغي علينا أن نصل إلى مستوى آخر"، كأن الرجل يعرف أن فريقه لم يعد مشروعاً يبحث عن الاحترام، بل مشروع يريد فرض سلطته.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
تتسارع الوقائع الميدانية في جنوب لبنان بعد أن هدّد الجيش الإسرائيلي كامل المنطقة الواقعة جنوبي نهر الزهراني وأنذر سكانها بالإخلاء الفوري بعد فترة من تحييد مدينتي صور والنبطية
نبض