ميركاتو الخطوط... كبار اللعبة في رحلة البحث عن "العقل المدبر"
انقضى الموسم 2025-2026، وتتجه الأنظار حكماً إلى كأس العالم في دول أميركا الشمالية حيث تترصد الأندية وكشّافوها النجوم الجدد بغية ضمّهم في فترة الانتقالات المقبلة.
جرت العادة في مواسم الانتقالات الصيفية أن تتجه الأنظار نحو المهاجم الهداف أو صانع الألعاب، بحيث تُسلط الأضواء على بورصة اللاعبين وتحركاتهم بين الأندية. غير أن الصيف الحالي يفرض واقعاً مغايراً تماماً في الملاعب العالمية والعربية على حد سواء؛ فالحدث الأبرز والأكثر تأثيراً على مستقبل القوى العظمى في كرة القدم لا يدور داخل المستطيل الأخضر فحسب، بل يتجلى في "زلزال المقاعد الفنية" وصراع البحث عن العقل المدبر. فبعد تجارب قاسية، أدركت الإدارات الرياضية أن كوكبة النجوم لا تصنع مجداً من دون فكر استراتيجي يقودها، ليتحول "ميركاتو المدربين" إلى معركة لترسيم الهوية وبناء المشاريع المستدامة.
في إنكلترا، يعيش مانشستر سيتي مرحلة انتقالية حرجة وعاصفة بعد رحيل بيب غوارديولا، الذي سطّر حقبة ذهبية غير مسبوقة في تاريخ النادي. وتأتي المغامرة بالتعاقد مع الإيطالي الطموح إنزو ماريسكا لتعكس رغبة الإدارة في الحفاظ على الإرث التكتيكي، والرهان على امتداد الفلسفة الهجومية عبر جيل المدربين الجدد. وفي المقابل تماماً، يتجه ريال مدريد نحو صياغة مغايرة لمرحلة ما بعد ألفارو أربيلوا الذي خرج الفريق تحت قيادته بموسمٍ صفري؛ إذ تبرز العودة المرتقبة للمخضرم جوزيه مورينيو كخطوة براغماتية حادة من فلورنتينو بيريز.

هذا التباين يوضح كيف يوازن الكبار بين مغامرة الشباب لضمان استمرار الفلسفة، وبين الاستعانة بالجنرالات وأصحاب الكاريزما الطاغية القادرة على ترويض غرف الملابس المدججة بالنجوم وفرض كبرياء النادي في المواعيد الكبرى.
أما في الدوري الإيطالي، فإن المشهد لا يقل سخونة مع رحيل ماسيميليانو أليغري عن دكة ميلان رغم الطفرة التي أحدثها مع الفريق، واقترابه الحاسم من قيادة نابولي لتعويض أنطونيو كونتي الذي فضل الرحيل بعد فشله في التتويج باللقب. وتكشف هذه التنقلات عن رغبة أندية النخبة هناك في تدوير الأسماء الكلاسيكية التي تضمن الحد الأدنى من الانضباط الدفاعي والواقعية، بدلاً من الدخول في مغامرات تكتيكية غير مأمونة العواقب.
ولا تختلف هذه الحمى الفنية في الملاعب العربية؛ إذ يواجه النصر السعودي تحدياً هائلاً عقب الرحيل الصادم للبرتغالي خورخي جيسوس، إذ بات البحث جارياً عن مدرب عالمي قادر على إدارة مشروع رياضي ضخم يضم صفوة نجوم العالم بقيادة كريستيانو رونالدو، مع الحفاظ على وتيرة حصد الألقاب التي بدأها النادي تحت قيادة البرتغالي.
وعلى الصعيد المصري، يتجسد صراع البحث عن الهوية الفنية بوضوح في النادي الأهلي، الذي يعيش حالة من الارتباك والحيرة الممتدة منذ بضعة مواسم، بحيث جاء الانفصال السريع عن الدانماركي ييس توروب ليؤكد تلك الأزمة العميقة داخل القلعة الحمراء، ويكشف عن إشكالية أزلية تواجه الأندية الجماهيرية الكبرى وهي غياب التوازن بين الرغبة في بناء مشروعٍ فني هادئ وطويل الأمد بمواصفات عالمية، وبين مقصلة الاستعجال وضغط النتائج الفورية التي تفرضها الجماهير العاشقة منصات التتويج.
المشهد الكروي هذا الصيف يؤكد أن الخطأ في اختيار العقل المدبر المناسب سيكلف الأندية مواسم كاملة من التخبط، ولن تشفع لها حينها خزائن الأموال.
نبض