الولايات المتحدة تخشى رواد مدرجات المونديال!
قبل أن تحرك ركلة البداية لنهائيات كأس العالم لكرة القدم بنسختها الثالثة والعشرين، التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، كان كل شيء يبدو جاهزاً، من جميع النواحي التنظيمية والبنى التحتية حتى إعادة صياغة المدن لتناسب حدثاً يسوق له بوصفه الأكبر في تاريخ اللعبة، ورهاناً رسمياً من الولايات المتحدة على نسخة استثنائية تُظهر قدرتها على احتضان "العالم".
لكن خلف هذا المشهد اللامع، ثمة مسار آخر في الاتجاه المعاكس تماماً، يتحدث عن الدخول إلى البلاد نفسها: من يُسمح له، ومن يُستثنى، ومن يُطلب منه أن يثبت أولًا أنه جدير بالمرور.
في هذا السياق، تحركت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب نحو سياسة تأشيرات أكثر تشدداً، تقوم على فرض ضمانات مالية قد تصل إلى 15 ألف دولار على مواطني عدد من الدول، تحت عنوان مكافحة تجاوز مدة الإقامة والهجرة غير النظامية.
شمل هذا القرار كلاً من الجزائر، تونس، السنغال، الرأس الأخضر وساحل العاج، في التناقض يأخذ شكله الكامل: كيف لدولة تستعدّ لاستضافة العالم أن تضع كلفة مالية بهذا الحجم على جماهير جزء من هذا العالم فقط كي تدخل أرضها؟

المسألة لم تكن رقماً في وثيقة، بل كانت فكرة تتكشف ببطء: إن "الدخول" ليس حقًا متساوياً، حتى في حدث يفترض أنه الأكثر انفتاحاً على الأرض. فالمشجع ينظر إليه كملف يفحص، واحتمال يحسب، ومخاطرة يجب ضبطها مسبقًا. وهكذا تحولت كرة القدم من مساحة يفترض أنها تتجاوز السياسة، إلى مرآة دقيقة للسياسة نفسها.
الاتحاد الدولي "فيفا" يبيع فكرة كاملة عن العالم، من مدرجات تختلط فيها الجنسيات، وأعلام تتجاور بلا حدود، ولحظة موقتة يبدو فيها أن العالم واحد. لكن الواقع يسير في اتجاه مختلف، حيث تتقدم الحسابات الأمنية والحدودية على فكرة الانفتاح الجماهيري التي تقوم عليها البطولة.
ومع اتساع الجدل، لم يبقَ الأمر سياسيًا فقط، إذ بدأ يتحول إلى مسألة اقتصادية مباشرة. فبطولة بهذا الحجم تعتمد بشكل أساسي على تدفق الجماهير الدولية، ليس فقط إلى الملاعب، بل إلى الفنادق، والمطارات، والمطاعم، وفي الدورة الاقتصادية الكاملة التي تصاحب الحدث. هنا تحديدًا بدأ قطاع السياحة الأميركي يرفع الصوت، حيث حذّرت منظمات سياحية أميركية من أن تعقيدات التأشيرات والقيود المالية قد تؤدي إلى تراجع واضح في الطلب الدولي، ما يعني أن صورة البطولة قد تتأثر اقتصاديًا من قبل أن تبدأ.
لا يبدو أن السؤال في "مونديال 2026" هو مَن يفوز بالكأس الذهبية، بل كيف يمكن لبطولة تُسوَّق بوصفها أكبر تجمع عالمي أن تعيش داخل نظام سياسي يرى في "العالم" ملفاً يجب التحكم به قبل أن يكون جمهوراً يرحب به.
نبض