بطل بلا صراع... تتويج إنتر يكشف ضعف الدوري الإيطالي
استعاد نادي إنتر عرش الدوري الإيطالي لكرة القدم "سيري آ" للمرة الـ21 في تاريخه، فلم يُقرأ هذا التتويج من زاوية الانتصار، بقدر ما قُرئ من زاوية الفراغ.
الفراغ ليس في المدرجات التي حافظ روادها على الشغف، إنما في المنافسة نفسها؛ فحين يحسم فريق اللقب بهذه الأريحية، فالمشكلة لا تكون في من فاز، بل في من غاب.
إنتر لم يحتج إلى موسم إعجازي، كما لم يكن مضطراً إلى أن يتجاوز حدوده أو يغامر خارج منطقه، إذ جلّ ما فعله أنه حافظ على توازنه، فيما كان الآخرون يفقدونه تباعاً، وهنا تكمن المسألة، إذ في إيطاليا اليوم، الاستقرار لم يعد شرطاً من شروط المنافسة بل بات عنصراً كافياً للفوز.

علّق مدرب "نيرازوري"، كريستيان كيفو، بالقول بعد تتويج الفريق "لم نغيّر كل شيء". كانت جملة عادية في ظاهرها، إلا أنها تكشف عمق الأزمة، فحين لا تحتاج إلى التغيير لتفوز، فهذا يعني أن البيئة لا تضغط، وأن السقف لا يُجبر أحداً على الارتفاع؛ إنتر لم يفرض واقعاً جديداً، بل تأقلم مع واقعٍ منخفض.
في الجهة المقابلة، كانت الصورة أكثر وضوحاً: يوفنتوس يتخبّط بين إرثٍ ثقيل وحاضرٍ بلا ملامح، مع مشروع لم يكتمل، ولا يبدو أنه يعرف إلى أين يتجه. ويلمع اي سي ميلان ثم ما يلبث أن يخفت. فريق يعيش على لحظات لا على مسار. أما نابولي الذي فقد اللقب، فقصته أقسى حيث سار في المنحدر على نحو سريع بعد لحظة الذروة. لم يُسقطهم إنتر، بل هم سقطوا وحدهم.
وعندما يسقط المنافسون، لا تحتاج إلى أن تكون الأفضل تاريخياً لتفوز، إذ يكفي ألا تسقط معهم. هذا توصيف مباشر لما حدث. الفرق بين إنتر ومنافسيه كان في القدرة على البقاء واقفاً.
لكن القصة لا تتوقف عند حدود موسم واحد، فما يحدث في الأندية هو انعكاس لما هو أعمق؛ فمنتخب إيطاليا نفسه يعيش التناقض ذاته، وإثر لحظة مجد مع "يورو 2020"، عاد "آتزوري" سريعاً إلى واقع متذبذب، لأن المنظومة لم تعد قادرة على تحقيق الاستمرارية. عندما قال روبرتو مانشيني إن المشكلة في إنتاج اللاعبين، لم يكن يبرّر، بل كان يختصر سنوات من التراجع في جملة واحدة.
اقتصادياً، الصورة أكثر قسوة، إذ إن الفجوة مع الدوري الإنكليزي الممتاز لم تعد قابلة للمقارنة، فهناك منظومة تصنع القوة وتعيد إنتاجها، وهنا منظومة تحاول الحفاظ على إرث متهالك، لأن المال ليس كل شيء، لكنّه يحدد من يملك القدرة على التطور، ومن يكتفي بمحاولة الصمود.
داخل إنتر نفسه، يمكن قراءة الفرق بوضوح، حيث يقول المهاجم الأرجنتيني وقائد الفريق لاوتارو مارتينيز "من لا يُرد البقاء فليغادر". لم يكن يتحدث عن لاعب بعينه، بل عن عقلية. وحين وصف التركي هاكان تشالهانوغلو الفريق بأنه "عائلة"، لم يكن يبالغ، بل كان يلمّح إلى ما يفتقده الآخرون. في دوري متوازن، هذه تفاصيل، أما في دوري مختلّ، فهذه هي الفروق.
إنتر لم يكتسح، بل عبر. لم يُحطّم منافسيه، بل وجد طريقاً مفتوحاً بينهم، وهذا أخطر ما في الأمر، لأن اللقب، بكل استحقاقه، لا يعكس قوة السباق، بل يكشف ضعفه. وبالتالي توج إنتر لأنه الأكثر جاهزية، لكن الحقيقة الكبرى أن الجاهزية وحدها أصبحت كافية، وعندما يكفي الحدّ الأدنى للفوز، فهذا يشي بأن المشكلة في السقف، لا في البطل.
نبض