مونديال 2026... بطولة تُصمَّم للنخبة وتُقصي "الجنوب"
كأس العالم هو المصدر الأساسي لإيرادات الاتحاد الدولي لكرة القدم الـ"فيفا". اعتراف واضح وصريح من رئيس "جمهورية كرة القدم" جياني إنفانتينو، يحدد من خلاله توجهات "الساحرة المستديرة".
من هذه النقطة، يصبح كل شيء منطقياً على نحو مقلق، فتقفز الأسعار إلى أرقام فلكية كنتيجة مباشرة، والتذاكر التي تتحول إلى سلعة مضاربة تتحول لسياسة، فيما الجمهور الذي يُستبعد تدريجياً نتيجة محسوبة ضمن معادلة واضحة: تعظيم العائد، ولو على حساب من صنع الحدث أصلاً.
لكن هذا المسار لم يمر من دون مقاومة، ففي داخل الولايات المتحدة، الدولة التي تستضيف الجزء الأكبر من البطولة، خرجت أصوات سياسية تتحدث عن "إمكانية الوصول"، أي من يملك حق الحضور فعلياً، وكأنها تحاول استعادة بديهيات فقدت معناها. وفي الإعلام، لم تعد اللغة رمادية، فثمة توصيفات مباشرة تتحدث عن "إقصاء" للجماهير. وفي الشارع، كان التعبير أكثر صدقاً وأقل ديبلوماسية باعتبار ما يحدث "خيانة".
وبرغم ذلك، لم يتغير شيء، إذ تم تثبيت المسار وتحصينه. إنفانتينو لا ينفي، بل يبرر بأن الطلب مرتفع، والعائدات تاريخية، والبطولة تتجه لتكون الأغنى في تاريخ كرة القدم. الرسالة تصبح حادة، ومفادها "النجاح يُقاس بما يدخل إلى الحسابات، لا بمن يُترك خارج البوابات".

حين تصل تذكرة واحدة إلى آلاف الدولارات، لا تعود رقماً بل تصبح حاجزاً، وحين تُعرض مقاعد في السوق الثانوية بملايين تتحول إلى إعلان صريح بأن كأس العالم ليست للجميع، بل لمن يستطيع أن يشتري التجربة كاملة دون أن يسأل.
الجمهور العربي، والأفريقي، وجماهير أميركا اللاتينية، لم تكن يوماً زينة إضافية في كأس العالم، إذ تعد الصوت، الكثافة، الفوضى الجميلة التي تعطي المباريات معناها. في نسخة أميركا الشمالية التي تفتتح في 11 حزيران (يونيو) المقبل، تُدفع إلى الهامش بمنظومة متكاملة تجعل حضورها شبه مستحيل.
سياسياً، لا يمكن فصل البطولة عن السياق الذي تُقام فيه، مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، إذ تتصاعد طبقات إضافية من التعقيد: خطاب أكثر تشدّداً حول الهجرة، إجراءات دخول أكثر صرامة، وبيئة عامة تجعل فكرة السفر نفسها موضع تردّد.
حتى داخل اللعبة، بدأت الشقوق تظهر، حين يخرج لاعب مثل تيموتي وياه، نجل الأسطورة الأفريقية جورج وياه، ليقول إن الأسعار "باهظة جداً"، فهذا بمنزلة اعتراف من الداخل بأن المنظومة تجاوزت الحدّ الذي يمكن تبريره، وتالياً يكشف الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع.
الفيفا يتحدث بلغة الإيرادات، والسياسيون يتحدثون بلغة "الوصول"، واللاعبون يلمّحون، أما الجمهور فيتراجع لأنه لم يعد يجد مكانه.
نبض