المواجهات الكبرى في كرة القدم… لمن يدفع أكثر!
يسعى الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" الى تغليف التحول الجديد في كرة القدم العالمية بلغة التنظيم، مع بروز اقتراحات بلعب مباريات خارج موطنها. مقترح "مباراة واحدة خارج الحدود" لكل دوري، وخمس مباريات كحد أقصى لكل دولة مضيفة، لا يبدو قيداً بقدر ما هو إعلان سيطرةٍ ناعم، مفاده أن "الباب مفتوح… لكن المفاتيح بيد الفيفا".
الدوريات الخمسة الكبرى، لا تتحرك بدافع الفضول، بل بدافع السوق، إذ تستهدف الولايات المتحدة مثلاً جمهوراً جديداً، عقود بثِّ أضخم، وواقعاً مالياً لا يمكن تجاهله. لكن كل خطوة خارج الجغرافيا التقليدية تقتطع شيئاً من هوية اللعبة. المباراة التي كانت ملك شارعٍ ومدرج، تتحول إلى تذكرةٍ سياحية في مدينة لا تعرف تاريخها. إلغاء مواجهة برشلونة وفياريال في ميامي، وسقوط فكرة ميلان وكومو في أستراليا، لم يكن تفصيلاً إدارياً، بل ان إشارة مبكرة إلى أن اللعبة بدأت تتجاوز حدودها وقيمها، وأن هناك من قرر ضبط إيقاعها.

الاتحاد الدولي يدرك أنّ المنع مستحيل، لهذا جنح نحو الاحتكار، بمعنى أي مباراة خارجية يجب أن تمر عبر طبقاتٍ من الموافقات قبل أن تصل إلى النهاية، بحيث يقف "فيفا" بقرارٍ واحد قادر على إسقاط كل شيء. هذه ليست بيروقراطية، بل هندسة نفوذ، الفكرة مسموحة، لكن تنفيذها مشروط، والشرط الأساسي هو أن تبقى السيطرة في يد جهة واحدة، الدوريات تريد توسيع اللعبة، و"الفيفا" تريد أن تبقى مركزها.
تحديد سقف خمس مباريات لكل دولة ليس تفصيلاً، بل رسالة موجهة إلى السوق الأميركية تحديداً، حيث الدوري المحلي "MLS" يقف في قلب المعادلة، فتح الباب بالكامل سيحوّل هذه السوق إلى ساحة مفتوحة للأندية الأوروبية، وهو ما لا تريده "الفيفا" التي ترحب بالتوسع لكن ليس على حساب النظام الذي تتحكم به.
المشكلة أنّ كل هذا يُقدَّم كأنه تطوير، بينما هو في جوهره إعادة تعريف للعبة أو "أمركة كرة القدم"، كرة القدم التي كانت مرتبطةً بالمكان والهوية، تتحول تدريجاً إلى منتجٍ متنقل، قابلٍ لإعادة التوزيع حسب العرض والطلب، وبالخلاصة الجمهور الذي كان جزءاً من المعادلة، يتحول إلى مستهلك، أما الانتماء فيصبح تفصيلاً يمكن تعويضه بتجربة جديدة في مدينة أخرى. ما يحدث الآن ليس مجرد تنظيم لواقعٍ جديد، بل إعادة رسمٍ لخريطة القوة داخل كرة القدم. المباراة لم تعد لأصحابها… بل لمن يملك القدرة على تسعيرها.
نبض