كرة القدم الحديثة... بين نعمة الأرقام ونقمة الوضوح
جاد كعكوش
مع تطوّر كرة القدم في السنوات الماضية، أصبح المتابعون ينظرون أكثر إلى إحصاءات اللاعبين والفرق من أجل بناء وجهات نظرهم وتحديدها سلباً أو إيجاباً، وبناء سردية مدى استحقاقية هذا الفريق أو اللاعب في تحقيق الإنجاز أو الجائزة الفردية التي حققها، من الأهداف والتمريرات الحاسمة إلى الأهداف المتوقعة والخرائط الحرارية وصولاً إلى معدلات الجري ونسب الوصول إلى المرمى.
كل هذه الإحصائيات وأكثر قد تكون بالفعل طريقةً تساهم بشكل أو بآخر في فهم أعمق لمجريات المباراة أو لأداء فريق على مدار موسم طويل، ولكنها لن تعطي دائماً الصورة الكاملة على أرض الملعب، فالأرقام تقدم لنا صورةً مجتزأة تحتاج إلى محلل أداءٍ محترف يستخدمها بالطريقة المثلى، فقد تؤدي هذه الأرقام في بعض الأحيان إلى إيذاء اللاعبين، إذ تضع عليهم ضغطاً مضاعفاً لإثبات عكس ما تقدمه الإحصاءات التي تستخدم ذرائع ضدهم على مواقع التواصل الاجتماعي وبين المحللين على شاشات التلفزيون.
الإحصاءات... طريقة لكسب البطولات أو خداع الجمهور واللاعبين؟
أصبحت الإحصاءات الرياضية اليوم، كالواقع الذي لا يمكن الهروب منه، إذ تستخدم في كل جوانب كرة القدم الحديثة اليوم، ولا يخلو أي فريق محترف من محلل أداء يقوم بتقارير مفصلة عن كل لاعب، من الفريق الأول إلى أصغر لاعب في الأكاديمية، بالإضافة إلى كونها أداة فعالة في اكتشاف المواهب وبناء استراتيجيات سوق الانتقالات.
وهذا ما أكده المدرب السابق لليفربول يورغن كلوب حين تحدث أخيراً عن صفقة صلاح ورغبة في استقدام الألماني يوليان براندت: "إذا كنت ترغب في التعاقد مع جناح، فغالباً ما تتحدث مع سبعة أو ثمانية لاعبين إذا حالفك الحظ".
ومعها بنى ليفربول استراتيجيةً تعاقدية واضحة مبنية على تفاهم بين الأرقام ورضى المدرب، بدأت من خلال استقدام المصري محمد صلاح ولاعبين كأندي روبرتسون وأليسون بيكير وفيرجيل فان دايك، الذين حرّكوا عجلة ليفربول وساهموا في تحقيق "الريدز" خلال تلك الفترة كل الألقاب الممكنة من دوري أبطال أوروبا إلى لقب الدوري الإنكليزي الممتاز الذي غاب عن خزينة النادي مدة 30 عاماً.

أما لدى اللاعبين المحترفين، فنجد تفاوتاً في كيفية النظر إلى أرقامهم، مثلاً صرح لاعب مانشستر سيتي الفرنسي ريان شرقي خلال حديث الى قناة "تي أف 1": " أنا لست من هواة الإحصائيات. يمكنك أن ترى ذلك في طريقة لعبي لكرة القدم. أنا لاعب كرة قدم من الطراز القديم، والطراز القديم لم يكن يهتم بالإحصائيات".
في المقابل، يتلقى الظهير الأيسر لأستون فيلا الفرنسي لوكاس ديني ومنذ أيامه في إيفرتون، مجموعةً كاملة من البيانات من المنتخب الفرنسي بعد كل مباراة له في الدوري الإنكليزي الممتاز، بحيث يقوم بتحليل هذه الأرقام بدقةٍ لدعم الانطباع السائد حول أدائه أو دحضه.
بالنسبة إلى الأداء على أرض الملعب، عبّر لاعب باير ليفركوزن السابق ينس هيغلر عن خيبة أمله من الإحصاءات: "عندما حللنا أداء بوروسيا دورتموند، وكان لديهم آنذاك قلبي الدفاع، ماتس هوملز ونيفين سوبوتيتش، وكان سوبوتيتش دائماً يتمتع بنسبة تمريرات صحيحة أعلى من هوملز".
وأكمل: "لكن كل مدرب في تحليل الخصوم كان يقول دائماً: "حسناً، علينا مراقبة هوملز، وتمرير الكرة إلى سوبوتيتش، وتركه يبني الهجمات. لذا كانت البيانات مختلفة تماماً عن تصوّر كل مدرب".
هذا يوضح أن في كرة القدم الحديثة، ومن أجل التوصل الى نتيجة مرضية لكل الأطراف، إن كان المدرب أو محلل الأداء والكشاف وأخيراً الإدارة والجماهير، يحتاج اللاعبون والفرق إلى التكامل بين الإحصاءات والاثباتات على أرض الملعب، فالأرقام وحدها لا تثبت شيئاً من دون أن نراها في الملعب.
نبض