الرّياضات الإلكترونيّة في لبنان... من التّرفيه إلى الاحتراف رغم مشكلات الكهرباء والإنترنت
لطالما سُمعت في البيوت اللبنانية جملة: "ادرس بلا لعب"، لكن يبدو أن المشهد بدأ يتغير جذرياً. فبينما يعاني البلد تحديات الكهرباء والإنترنت، يرفض الشباب اللبناني "الاستسلام"، محولين شغفهم بالـ Gaming من مجرد تسلية إلى احتراف ومشاركات في المحافل الدولية.
ومع وجود اتحاد رسمي، ومواهب لبنانية أثبتت حضورها في ألعاب مثل Dota 2 و PUBG Mobile، لم تعد الرياضات الإلكترونية مجرد هواية، بل أصبحت قطاعاً واعداً يطرق أبواب الاحتراف والوظائف المستقبلية.
ويصنّف لبنان حالياً بعيداً عن باقي الدول العربية من حيث حجم الاستثمار والبنية التحتية، وتحديداً في حال المقارنة مع دول الخليج، لكنه يملك مواهب حقيقية وحضوراً تنافسياً ومؤسسياً.
تحديات تواجه الرياضات الإلكترونية في لبنان
يؤكد نائب رئيس الاتحاد اللبناني للرياضات الإلكترونية إيلي حُنين أن واقع الرياضات في لبنان واعد، لكنه ما زال في مرحلة البناء والنمو.
يضيف في حديث مع "النهار": "هناك اتحاد رسمي معترف به هو الاتحاد اللبناني للرياضات الإلكترونية والروبوتات منذ 2021، كما هناك بطولات وطنية مؤهلة إلى استحقاقات دولية، لكن المشهد لا يزال في طور التأسيس والتوسع".
تابع: "نحن اليوم نمر بمرحلة نمو وتطور سريع، خصوصاً أننا منذ فترة التأسيس واجهنا ظروفاً استثنائية مثل جائحة كورونا، والحروب، والأزمة الاقتصادية. ورغم ذلك، استمر القطاع في التطور بشكل متدرج وثابت".
وكما معظم الرياضات، تواجه الرياضات الإلكترونية تحديات عدة، أبرزها "ضعف التمويل المحلي، ومحدودية الرعاية، وعدم استقرار البنية التحتية، وصعوبة تحويل الموهبة إلى مسار مهني مستدام، وحتى أن الاتحاد يعتمد على الجهود الذاتية وأفراد من المجتمع".
ويشدد حُنين على أن مشكلات غياب الكهرباء وضعف الإنترنت في لبنان يشكلان عائقاً بالنسبة للاعبي الرياضات الإلكترونية، "إلا أن هذه التحديات لم تشكل عائقاً أمام تطوره أو استمراريته. بل على العكس، ساهمت في خلق بيئة أكثر مرونة وقدرة على التكيّف والابتكار لدى اللاعبين والفرق. فاللاعب اللبناني اعتاد على العمل ضمن ظروف غير مثالية، وتمكن من تطوير أساليب بديلة للتدريب والمنافسة والاستمرارية. ورغم هذه التحديات، نجحت بعض الفرق والمنتخب اللبناني في تحقيق نتائج مميزة والتفوق على العديد من الفرق الدولية في بطولات أونلاين، مما يعكس مستوى تنافسي عالي وإصرار واضح على التطور".
كما أن هذا الواقع عزز ثقافة الاعتماد على الذات، ورفع من قيمة الإنجاز المحلي باعتباره ناتجاً عن شغف ومثابرة وليس فقط عن بيئة مثالية.

الدوري اللبناني للرياضات الإلكترونية
ورغم كل التحديات والعقبات، هناك دوري رسمي للرياضات الإلكترونية في لبنان، ينظمه الاتحاد، ويشمل مجموعة واسعة من الألعاب مثل CS2، Dota 2، Street Fighter، Valorant، وPUBGM وغيرها.
ولا شك في أن الطريق إلى المشاركات الخارجية يحتاج إلى جهد مضاعف، "فعالم الاحتراف في الرياضات الإلكترونية ليس سهلاً، وذلك، والطريق يبدأ من المشاركة في البطولات المحلية الرسمية والمفتوحة، وثم بناء اسم تنافسي في لعبة محددة، والانضمام إلى فرق منظمة، وصناعة حضور رقمي عبر البث أو المحتوى، ثم استغلال الفرص التي تفتح باب التأهل الإقليمي والدولي".
موقع لبنان بين الدول العربية
وعن موقع لبنان بين الدول العربية، يجيب: "يشرفنا أن يكون لبنان حاضراً وفعّالاً على مستوى الرياضات الإلكترونية عربياً، حيث يعد عضواً في المكتب التنفيذي للاتحاد العربي، ومن الدول المؤسسة لاتحاد غرب آسيا واتحاد البحر المتوسط، مع تمثيل مهم من خلال مناصب قيادية مثل الأمين العام ونائب الرئيس في هذه الاتحادات".
ورغم الفارق في الإمكانات المادية والبنية التحتية مقارنة ببعض الدول العربية، إلا أن لبنان يثبت دائماً حضوره من خلال المشاركة الفاعلة والإنجازات الفردية المميزة، مما يعكس روح الإصرار والموهبة لدى اللاعبين اللبنانيين.
ومن أبرز هذه الإنجازات، فوز اللاعب محمد رضا بالمركز الأول في لعبة Tekken ضمن بطولة البحر الأحمر، بالإضافة إلى تصنيف اللاعب المخضرم أحمد حمداني في المركز 16 في لعبة eFootball، وهو ما يعكس قدرة اللاعبين اللبنانيين على المنافسة وتحقيق نتائج مشرفة على المستوى الإقليمي.
أما بالنسبة إلى الجوائز، يجيب نائب رئيس الاتحاد: "الجوائز المحلية موجودة لكنها ما زالت متواضعة. على سبيل المثال، بطل لعبة بابجي موبايل لعام 2025 نال 5,000 دولار".
ولا يزال الاستثمار المحلي محدوداً ومتقطعاً أكثر من كونه منظومة مستقرة، وهناك شراكات ورعايات مرتبطة ببطولات وأنشطة معينة، "فهذا القطاع يحمل فرصة ضخمة للشركات في لبنان، خصوصاً مع النمو المستمر في عدد اللاعبين والجمهور الشاب ويمكن للشركات تحقيق عوائد حقيقية من خلال الرعاية، والإعلان، وإنشاء محتوى رقمي، وتنظيم البطولات، أو حتى تطوير منتجات وخدمات موجهة للاعبين"، يتابع حُنين.

ما رأي الأهالي بالرياضات الإلكترونية؟
ويؤكد نائب رئيس الاتحاد أن "شريحة من الأهالي في لبنان لا تزال ترى الألعاب مضيعة للوقت، لكن هذا التصوّر بدأ يتغير تدريجياً. كلما رأى الأهل بطولات رسمية، واتحاداً معترفاً به، وفرص تمثيل دولي، بدأوا ينظرون إلى الألعاب نظرةً أكثر جدية، ليس فقط كترفيه، بل أيضاً كمسار مهاري وتنافسي".
يضيف: "كما أن جزءاً من مهام الاتحاد هو توعية الأهل واللاعبين والمجتمع حول الإيجابيات والسلبيات، والفوائد والمخاطر المرتبطة بالألعاب الإلكترونية، وذلك من خلال إنشاء لجنة تعليمية تحت مظلة الاتحاد. وقد بدأنا بالفعل بالتواصل مع المدارس بهدف تنفيذ محاضرات توعوية تتعلق بالمسارات المهنية، وفرص العمل، والتخصصات التي يمكن أن تهم لاعبي الرياضات الإلكترونية وتفتح لهم آفاق مستقبلية أوسع".
لبنان في كأس المنتخبات للرياضات الإلكترونية
وعن مشاركة لبنان في كأس المنتخبات للرياضات الإلكترونية، يقول حُنين: "كما هو معلوم، فإن كأس المنتخبات للرياضات الإلكترونية ENC انطلقت بناءً على رؤية خاصة من المملكة العربية السعودية، حيث تم وضع معايير احترافية وواضحة لاستقبال طلبات تمثيل الدول، مع فتح الباب أمام مختلف الجهات للتقدم وفق شروط محددة".
يضيف: "من بين العديد من المتقدمين على المستوى العالمي لتمثيل دولهم، وعلى مستوى لبنان، تقدمت عدة جهات بملفات الترشيح. ونفتخر بأن الاتحاد اللبناني استطاع الحصول على التمثيل الرسمي بعد منافسة مع عدة جهات، وذلك بفضل الشفافية، والحرفية، والهيكلة التنظيمية التي تم اعتمادها ضمن معايير التقييم الخاصة بالكأس".
والجدير بالذكر أن كأس المنتخبات للرياضات الإلكترونية ستضم أكثر من 100 دولة، و"نحن الجهة الممثلة للبنان في هذه البطولة، ما يعكس ثقة في العمل المؤسسي والتطوير المستمر للقطاع محلياً، يختم نائب رئيس الاتحاد.
نبض