أبناء الأهلي... "الدبّ الذي قتل صاحبه"
في الوقت الذي يغلي فيه الشارع الرياضي المصري صخباً وجدلاً حول الصراع المحتدم بين مسؤولي النادي الأهلي ولجنة الحكام في الاتحاد المصري لكرة القدم، إثر الواقعة الجدلية المتمثلة في التغاضي عن احتساب ركلة جزاء مستحقة للفريق في مواجهته أمام سيراميكا كليوباترا، وما رافقها من تجاوزات وأحداث وصفها بغير القانونية حكم اللقاء محمود وفا؛ يطل برأسه جانب آخر أكثر عمقاً وخطورة.
هذا الجانب يؤكد أنّ الأزمة الراهنة والتردّي الفني الذي يشهده الفريق ليسا مجرّد "عثرة عارضة"، بل هما نتاج تكاتف "أبناء الأهلي" أنفسهم على ناديهم، في مشهد يوحي بالسعي لإسقاط الكيان وإضاعة هيبته التاريخية التي كانت يوماً ما عصيّة على المساس.
قد تبدو هذه الكلمات قاسية، بل وثقيلة الوطأة على قلوب الملايين من عشاق هذا الصرح الرياضي العريق، لكن المواجهة مع الحقيقة تقتضي الاعتراف بأنّ الأزمة التحكيمية الأخيرة لم تكن لتحدث أو لتأخذ هذا المنحى لولا تآكل هيبة النادي؛ تلك الهيبة التي كانت تمثل "الرعب اللذيذ" في قلوب الخصوم، والعامل الحاسم في حصد البطولات التاريخية.
الحقيقة المرّة هي أنّ الجميع اشترك في تبديد هذا الإرث، بدءاً من قمّة الهرم متمثلة في رئيس النادي محمود الخطيب، مروراً بأعضاء مجلس الإدارة، وصولاً إلى الأجهزة الفنية واللاعبين الذين فقدوا البوصلة.
انتصارات بطعم الانكسار
مباراة الأهلي وسموحة الأخيرة، رغم انتهاء محصّلتها بالفوز، كانت بمثابة "كاشف عيوب" فاضح للحال التي وصل إليها النادي، في حقبة يمكن وصفها بأنها الأكثر قتامةً في تاريخه المعاصر. فوزٌ جاء بشق الأنفس، بعد أداء باهت يُراد له أن يُنسى، مكرّراً سيناريو العقم الفنّي الذي بات سمة ملازمة للفريق في المواسم الأخيرة.
الاحتفال المبالغ فيه بهذا الانتصار، كشف عن عمق المأساة؛ فالتعبير "الهستيري" عن الفوز على فريق متوسط يؤكد أنّ "روح البطل" وثقة "شخصية الأهلي" قد تلاشت، وحلّ محلها شعورٌ بالارتياح لمجرّد الهروب من شبح الهزيمة.
متلازمة "الدب وقاتله"
هذا التدهور لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج قرارات اتُخذت بـ"جهل مُغلف بالمحبّة". وهنا نستحضر الأسطورة الشهيرة عن "الدبّ الذي قتل صاحبه"؛ ذلك الدب الذي غلبه الحب والحرص على راحة صاحبه، فأراد إبعاد ذبابة عن وجهه وهو نائم، فما كان منه إلا أن ألقى حجراً ثقيلاً ليقتلها، فقتل صاحبه معها. هذه هي حال الأهلي مع أبنائه؛ فمحمود الخطيب، الأسطورة التي لا يقترب الشك من عظمتها الكروية، سقط في فخ القرارات الإدارية الخاطئة.
تحوّل الخطيب في إدارته للنظام الديكتاتوري عند اتخاذ القرار، متمسّكاً بمنصبه في ظل غياب الرؤية المؤسسية، معتمداً على مجلس إدارة يكتفي بالموافقة والثناء، وجمعية عمومية تُقدّس التاريخ الشخصي للرمز على حساب مصلحة الكيان الحالية. هذا المناخ أدّى إلى تسريح مدرّبين وإبرام صفقات لم تضف إلى الفريق سوى الأعباء.
آثار هذا الخلل الإداري امتدّت لتضرب قلب الفريق؛ فغاب الانضباط وبرز التمرّد من لاعبين فرضوا إرادتهم بالرحيل أو التغيّب، وآخرين تراجع عطاؤهم بلا رادع. وبات الأهلي رهينة لمدير فني يوصف بـ"المفلس فنياً"، عجزت الإدارة عن إقالته بسبب "الكارثة التعاقدية" التي تمنحه كامل قيمة عقده في حال الإقالة خلال الموسم الأول.

خريطة الطريق نحو العودة
استعادة هيبة الأهلي لن تكون بالمسكنات، فالوضع الحالي هو تراكم لسنوات من البحث عن المصالح الشخصية. ولعل الدعم الجماهيري الكبير لمواقف سيد عبد الحفيظ ضد اتحاد الكرة يعكس تعطش الجماهير لظهور شخصية قويّة تذود عن حقوق النادي الضائعة.
ومثلما ضاعت الهيبة على أيدي بعض الأبناء، فإنّ استردادها لن يكون إلا من خلال "المحبين الحقيقيين" الذين يضعون الكيان نصب أعينهم، ولا سيما أنّ طريق العودة يتطلب حزمة قرارات ثورية ومصيرية، بدأت بوادرها بتسليم ملف الكرة لأسماء مثل عبد الحفيظ وياسين منصور. لكن النهاية الحتمية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه تتمثل في الإطاحة بالمدرب ييس توروب، وغربلة شاملة للقائمة والتخلص من اللاعبين المتخاذلين في الميركاتو المقبل، وتعيين مدير رياضي بـ"قبضة حديدية" يعيد الانضباط المفقود إلى غرف الملابس.
نبض