هاجس الغياب الثالث: الملحق الأوروبي يختبر هوية الـ"آزوري"
يطارد هاجس الغياب الثالث منتخب إيطاليا كما لم يسبق له أن فعل، وقد أصبح الملحق الأوروبي المؤهل إلى كأس العالم 2026 ليس مجرد محطة تصفيات، بل محاكمة كاملة لجيل جديد يحمل على كتفيه ثقل أربعة ألقاب عالمية وندبتين من غياب عن آخر نسختين موندياليتين في روسيا وقطر.
اعتاد عشاق "الساحرة المستديرة" رؤية منتخب الـ"آزوري" صلباً، حاداً، منظماً، إنما يقف هذه المرة أمام تحد مختلف تماما، فريق يملك تاريخاً مجيداً، لكنه في الحاضر ضعيف نسبياً، مدربه جينارو غاتوزو يراهن على مزيج من الخبرة والشباب، وعلى طاقات لم تختبر بعد في ضغط مباريات الحياة أو الموت.
المواجهة الصعبة
مواجهة منتخب إيرلندا الشمالية في بيرغامو ليست مجرد مباراة، بل اختبار حقيقي للهوية الإيطالية، كل كرة فيها معركة، وكل خطأ قد يقود إلى نهاية أحلام الفريق قبل أن يبدأ. الفائز من هذه المباراة سيواجه خارج أرضه أحد المنتخبات من مواجهة ويلز والبوسنة والهرسك، ما يجعل الملحق كله كأنما هو امتحان وجودي، كما تؤكد صحف مثل "كورييري ديلو سبورت" التي تصف الوضع "الآن أو السقوط النهائي… لا أعذار بعد اليوم".
الرهان على الشبان
وضع غاتوزو ثقته في اللاعبين الشبان الذين يمثلون مستقبل المنتخب الأزرق، لكن عليهم حمل مسؤوليات أكبر من عمرهم: بيو إسبوزيتو، مهاجم إنتر البالغ 20 عاماً، أصبح الركيزة الهجومية للفريق بعد أن سجل ثلاثة أهداف في تصفيات الملحق، بالإضافة إلى أهدافه في الدوري وكأس إيطاليا ودوري أبطال أوروبا، حيث وصفه الحارس الأسطوري جيانلويجي بوفون بأنه "اليقين الوحيد لدينا… وسيكون أفضل مما يتوقعه الجميع".

إلى جانبه، يمثل ماركو باليسترا ودافيدي بارتيساغي مستقبل الأطراف، جناحان ديناميكيان قادران على خلق التفوق العددي في الجوانب وسرعة تحرّك تمكن الفريق من مواجهة دفاعات الخصم. في الوسط، يأتي أنطونيو فيرغارا ونيكولو بيسيلي ليقدما الخيار الإبداعي، بينما يعوّض لورينزو كولومبو كلاسيكياً كرأس حربة صريح داخل منطقة الجزاء، يحافظ على توازن بين الجرأة الهجومية الحديثة والقدرة على الحسم المباشر. كل هذا لا يلغي حقيقة أن غياب أسماء مؤثرة مثل فيديريكو كييزا، ماركو فيراتي، فيديريكو برنارديسكي، نيكولو زانيولو وصامويل ريتشي يزيد الضغط النفسي، ويترك الفريق يعتمد على اللاعبين الذين لم يختبروا بعد تحديات مشابهة تحت ضغوط المباريات الفاصلة.
منتبخ إيرلندا الشمالية ليس خصماً سهلاً، فريق دفاعي منظم، يعرف كيف يضغط في اللحظات الحاسمة، ويستغل أي ضعف في التنظيم أو الانضباط. الإعلام الإيطالي والجماهير على مواقع التواصل الاجتماعي يعبرون عن هاجس الغياب الثالث بوضوح: تراوح التعليقات بين التشاؤم الحتمي، والغضب على إدارة الفريق والاتحاد الإيطالي لكرة القدم، وبين دعم قلبي، مستند إلى ذكريات اليورو 2020 وروح "آزوري"، مع إدراك محدود أن الفريق الحالي لا يملك نفس مستوى النجوم السابقين. كل ذلك يجعل الملحق اختباراً ليس للمهارة فقط، بل لصمود الشخصية والجماعة، لمعرفة إن كانت إيطاليا قادرة على استعادة ما فقدته من هيبة، أو إن كانت فصلاً جديداً من الخيبة على وشك أن يُكتب في سجل منتخب لم يعد يحتمل المزيد من الخسائر.
الفرصة الأخيرة
تاريخياً، المنتخب الإيطالي يُعرف بالصلابة، الواقعية، والانضباط التكتيكي، ولكن الواقع الحالي يفرض إعادة تقييم: الفريق يعتمد على جرأة الشباب، طاقات لم يسبق لها أن اختبرت الضغط القصوى، وابتكار تكتيكات حديثة لمواجهة الخصوم الصغار المتكتلين في الدفاع. غاتوزو يراهن على الانضباط الدفاعي، على الطاقات الهجومية الجديدة، وعلى شخصيات قادرة على مواجهة الضغط النفسي، لكنه يعلم أن أي خطأ قد يكون قاتلاً، وأن الفوز ليس مضموناً أبداً. الملحق يمثل فرصة أخيرة ليس فقط للتأهل، بل لإنقاذ ما تبقى من صورة الكرة الإيطالية في أوروبا، لاستعادة الأزوري كما عرفه العالم: صلب، واقعي، لا يموت، أو للاعتراف بأن زمن الكبار قد انتهى، وأن الغياب الثالث لن يكون مجرد رقم، بل فصل جديد من الخيبة.
نبض