الجزائر قبل المونديال... مشروع يولد تحت الضغط
ينشد المنتخب الجزائري الظهور القوي في نهائيات كأس العالم المقبلة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، ليعيد إلى الأذهان ما حققه "ثعالب الصحراء" في نهائيات البرازيل 2014 عندما بلغ الدور الثاني قبل أن يخرج برأس مرفوعة أمام البطلة لاحقاً ألمانيا.
هذا العام، يدخل "الخضر" بقيادة المدرب السويسري فلاديمير بيتكوفيتش المرحلة الأخيرة قبل المونديال في حزيران (يونيو) المقبل، وسط حالة تبدو للوهلة الأولى متناقضة، إثر تغييرات واسعة، أسماء جديدة، واستبعاد لاعبين كانوا حتى وقت قريب ركائز أساسية، إلا أن ما يحدث في العمق لا يعكس ارتباكاً بقدر ما يشير إلى بداية مشروع واضح المعالم.
منذ توليه المهمة، لم يخفِ المدرب السويسري رغبته في إعادة تشكيل المنتخب على أسس مختلفة، وقد عبّر عن ذلك صراحة حين قال: "أردت جلب لاعبين جدد لمنحهم الفرصة من أجل صناعة مستقبل كرة القدم الجزائرية". هذا التصريح لم يكن مجرد موقف عابر، إنما تحوّل إلى قرارات ملموسة في قائمة التوقف الدولي الحالي، حيث تم استدعاء ستة لاعبين جدد، مقابل استبعاد أسماء من "الحرس القديم" لأسباب فنية أو بدنية.

المعسكر الحالي في إيطاليا، يتخلله لقاءان وديان أمام غواتيمالا في 27 اذار /مارس وأوروغواي في 31 منه، ويمثل أكثر من مجرد تحضير تقليدي، حيث سيختبر المدرب الجاهزية، وقياس القدرة على التأقلم، وتحديد ملامح التشكيلة التي ستخوض غمار المونديال. ويدرك بيتكوفيتش حساسية هذه المرحلة، لذلك أكد أن "المواجهة الأولى ستكون تجريبية أكثر، نريد أن نرى تجاوب اللاعبين الجدد، أما الثانية فستكون معيارية لاختبار الفريق تحت الضغط".
ضمن هذا السياق، تبرز أهمية الوجوه الجديدة التي دخلت المجموعة، ليس فقط من زاوية فنية، بل من حيث الطاقة الذهنية التي تضيفها. اللاعبون الجدد، وعلى رأسهم أشرف عبادة، يدخلون هذه التجربة بعقلية مختلفة، قائمة على إثبات الذات واستغلال الفرصة. عبادة عبّر عن ذلك بقوله "كنت أنتظر هذه الدعوة منذ فترة، والحمد لله وصلت اليوم الذي كنت أحلم به".
في المقابل، لم يعد غياب بعض الأسماء البارزة يُطرح كأزمة داخل المنتخب، بل كجزء من عملية إعادة توازن. فالتوجه الجديد لا يقوم على الأسماء بقدر ما يعتمد على الجاهزية والانسجام. وقد أوضح بيتكوفيتش هذا المنطق حين قال: "بعض اللاعبين يفتقدون النسق أو يعانون من إصابات، وكان من الضروري منح الفرصة لآخرين أكثر جاهزية".
ويعمل المدرب السويسري على بناء فريق مرن، قادر على التكيف مع مختلف أساليب اللعب، وهو ما أشار إليه "هذه المباريات تدخل ضمن استراتيجية أساليب اللعب، نريد التأقلم مع مختلف الطرق". هذا التوجه يعكس إدراكاً لطبيعة التحديات المنتظرة، ولا سيما في مجموعة تضم منتخبات تختلف في أسلوبها وقوتها، وعلى رأسها الأرجنتين حاملة اللقب العالمي بقيادة الأسطورة الحية ليونيل ميسي، وكذلك النمسا القوية بقيادة المدرب الألماني رالف رانغنيك والأردن ضمن المجموعة الـ11.
ورغم صعوبة المهمة، لا يبدو أن الجهاز الفني يتعامل مع الوضع بمنطق القلق، بل بمنطق التحدي، إذ لخص بيتكوفيتش هذه الرؤية "الجميع لا يرشحنا للفوز، لكن يجب أن ندخل المباراة دون التفكير أننا خسرنا مسبقاً". وهي رسالة تتجاوز الجانب التكتيكي، لتصل إلى البعد الذهني، الذي غالباً ما يكون حاسماً في البطولات الكبرى.
إزاء ما تقدم، يمكن القول إن منتخب الجزائر لا يدخل هذه المرحلة وهو في حالة جاهزية كاملة، لكنه في المقابل لا يسير في فراغ. هناك مشروع قيد التشكل، يعتمد على ضخ دماء جديدة، وإعادة توزيع الأدوار، وبناء فريق أكثر مرونة وقدرة على التكيف.
قد لا تكون النتائج الفورية هي المعيار الحقيقي في هذه المرحلة، لكن الاتجاه العام يبدو واضحاً. وإذا نجح هذا المشروع في تحقيق الحد الأدنى من الانسجام قبل انطلاق البطولة، فإن المنتخب الجزائري قد يتحول من فريق غير مرشح، إلى أحد أبرز المرشحين للعب دور "الحصان الأسود".
نبض