هل تملك "ديبلوماسية العشب" ما عجزت عنه طاولات التفاوض؟
بينما تنشغل غرف العمليات العسكرية في واشنطن وطهران وتل أبيب برسم إحداثيات الأهداف القادمة، وتتصاعد أعمدة الدخان فوق جبهات مشتعلة منذ مطلع العام الجاري، تبرز في الأفق البعيد صفارة انطلاق مونديال 2026. هذه المرة، لا تأتي البطولة كحدث رياضي عابر في القارة الأميركية الشمالية، بل تطلّ كاختبار أخلاقي وسياسي هو الأصعب في تاريخ "الفيفا" والولايات المتحدة المستضيفة، في ظل نزاع عسكري مباشر يهدّد بإحراق رقعة الشطرنج العالمية وتغيير موازين القوى في الشرق الأوسط.
تاريخياً، لم تكن كرة القدم مجرد قطعة من الجلد تطاردها الأقدام، بل كانت "القوة الناعمة" التي تملك حق الفيتو ضد الكراهية، حين تعجز الديبلوماسية الرسمية؛ وكثيراً ما نجحت في وقف نزيف الحرب الذي يؤدي بحياة الأبرياء. ففي خنادق الحرب العالمية الأولى عام 1914، حدثت المعجزة التي لا تزال تُدرس في كليات العلوم السياسية، وكانت الكرة هي اللغة الوحيدة التي سمحت لعدوين بترك السلاح للحظات إنسانية نادرة، عندما توقف إطلاق النار بشكل غير رسمي ليلة عيد الميلاد، وخرج الجنود من خنادقهم لتبادل الهدايا البسيطة. وتشير المذكرات التاريخية إلى إقامة مباريات كرة قدم ودية بينهم، محوّلين فوهة المدافع إلى أعمدة لمرمى وهمي.
وخلال حرب "بيافرا" الأهلية الدامية داخل نيجيريا عام 1969، اتفقت الأطراف المتصارعة على وقف إطلاق النار لمدة 48 ساعة. السبب لم يكن سياسياً، بل كان من أجل السماح للأسطورة البرازيلي "بيليه" وناديه سانتوس بخوض مباراة استعراضية في مدينة لاغوس؛ حينها أراد الجميع، من جنود ومدنيين، مشاهدة "الجوهرة السوداء"، فصمتت المدافع احتراماً للعبة.

وشهد عام 1998 إقامة مباراة "تذويب الجليد" بين أميركا وإيران، والتي برغم أنها لم توقف حرباً عسكرية قائمة، كانت "الأكثر سياسية في التاريخ، حين أقيمت تلك المباراة بين المنتخبين في كأس العالم بفرنسا. فقبل اللقاء، تبادل اللاعبون الورود البيضاء (رمز السلام)، والتقطوا صورة تذكاريّة جماعيّة، في مشهد كسر عقوداً من الجمود الديبلوماسي والعداء الشعبيّ بين البلدين.
وفي ساحل العاج عام 2005، كانت صرخة الأسطورة "ديدييه دروغبا" وزملائه أقوى من دويّ الانفجارات، حين جثوا على رُكبهم أمام الكاميرات مطالبين بوقف الحرب الأهلية، فاستجاب المقاتلون لنداء القميص الوطني لا لنداءات الجنرالات، مما مهد الطريق لانتخابات تاريخية أعادت صياغة هوية البلاد.
هذه الأحداث التاريخية تبرز سؤالا جوهرياً: هل تستطيع "ديبلوماسية العشب" تكرار المعجزة في صيف 2026؟
لكن الواقع الجيوسياسي اليوم يبدو أكثر تعقيداً من أي وقت مضى؛ فالتوتر بين الولايات المتحدة وإيران وصل إلى ذروته، والمناوشات العسكرية التي اندلعت في الشهر الماضي جعلت من استضافة ملاعب لوس أنجليس وسياتل للمنتخب الإيراني تحدياً أمنياً وسياسياً يفوق قدرة المنظمين. ووجود المنتخب الإيراني في المجموعة (G) على الأراضي الأميركية، في وقت تتبادل فيه العواصم التهديدات الوجودية، يضع العالم أمام مفارقة سوريالية: كيف يتصافح اللاعبون في الممر المؤدي إلى الملعب أمام مليارات المشاهدين، بينما تتقاطع صواريخ بلديهم في السماء؟
الرهان اليوم ليس على نتائج المباريات، بل على قدرة الرياضة على "تحييد" الصراع ولو موقتاً لخلق نافذة أمل. الولايات المتحدة، بصفتها الدولة المضيفة، تقف أمام معضلة أخلاقية؛ فهي مطالبة بتقديم نموذج مثالي لفصل الرياضة عن الخصومات السياسية الدموية، وضمان أمن البعثة الإيرانية في بيئة مشحونة بالاستقطاب. في المقابل، يرى مراقبون أن تواجد العلم الإيراني في قلب الملاعب الأميركية قد يمثل "القناة الخلفية" الوحيدة المتبقية لخفض التصعيد، حيث تتحول المدرجات إلى ساحة للاعتراف بالآخر لا لإلغائه.
كرة القدم قد لا تملك جيوشاً لفرض السلام، لكنها تملك القدرة على "أنسنة" الخصم وإحراج دعاة الحروب، ومونديال 2026 ليس مجرد سباق نحو الكأس، بل هو محاولة أخيرة لترميم ما حطمته السياسة، وتأكيد على أن المستطيل الأخضر يظلّ المكان الوحيد الذي يُسمح فيه بالصراع بشرط الالتزام بقواعد اللعب النظيف.
نبض