بين الطفرة والمشروع... هل يملك أتلتيكو نَفَس الأبطال؟
لم تكن الرباعية التي استقرّت في شباك برشلونة، ولا الخماسية المدوّية التي أمطر بها أتلتيكو مدريد شباك توتنهام، مجرّد نتاج "طفرة" فنية عابرة أو ومضة حظ في ليل مدريد الهادئ. نحن أمام إعلان رسمي عن "انقلاب" قاده دييغو سيميوني على نفسه أولاً، وعلى إرثه التكتيكي الذي سجنه لسنوات ثانياً، وكاد يضع حداً لرحلته التاريخية في "ميتروبوليتانو".
مدرّب جديد بملامح قديمة
وبينما كانت مطالبات الإقالة تملأ الأروقة، وكانت الأجواء في مدريد تضج بأخبار الرحيل الوشيك، وبدا أنّ سيميوني استنفد كل حلوله التقليدية، اختار القائد الذي لا يستسلم، الطريق الأصعب؛ لم يرحل، ولم يعاند الواقع بأساليبه القديمة، بل أعاد اختراع نفسه من جديد، وتخلّى عن عباءة الدفاع الحذر وارتداء ثوب الهجوم الكاسح الذي لا يرحم. وكأنّ إدارة "الأتلتي" تعاقدت مع مدرّب شاب طموح، يمتلك "غرينتا" سيميوني القديمة، ولكن بعقلية هجومية حديثة تواكب كرة القدم المعاصرة.
لسنوات طويلة، ارتبط اسم "الأتلتي" تحت قيادة سيميوني بالمعاناة البدنية، والارتقاء فوق الأنقاض الدفاعية، والرضى بالفوز بهدف نظيف، وكانت المواهب الهجومية في أتلتيكو مدريد تبدو كأنها "مندثرة" تحت ركام الالتزام الدفاعي الصارم، لاعبون من طراز رفيع كانوا يستهلكون طاقتهم في مطاردة الخصوم بدلاً من غزو شباكهم. لكن التحوّل الأخير أثبت أنّ سيميوني قرّر أخيراً فك القيود؛ فجاءت النتائج لتعيد اكتشاف مفاتيحه الهجومية بطريقة مغايرة تماماً. الفريق لم يعد ينتظر خطأ الخصم، بل أصبح هو من يصنع هذا الخطأ بضغط عالٍ وشراسة هجومية لم نعهدها في "متروبوليتانو".
ويكمن السر في هذا التحوّل في قدرة سيميوني على توظيف الجودة الفنية الفائقة، وفك القيود عن "أسرى الخنادق". جوليان ألفاريز لم يعد ذلك المهاجم الذي يركض وحيداً في الأمام بانتظار كرة طويلة طائشة، بل أصبح "رأس الحربة" في منظومة تخدم تحرّكاته الذكيّة، وتستغل قدرته الفائقة على خلخلة الدفاعات.
أما أنطوان غريزمان، فقد استعاد بريقه كـ"مايسترو" يملك مفاتيح اللعب، بعدما كادت المهام الدفاعية المنهكة في المواسم السابقة تطمس عبقريته الفطرية. أدرك سيميوني أخيراً أنّ امتلاك "الخامات الفاخرة" يتطلب تصميماً هندسياً مختلفاً، وهو ما نراه الآن في التحوّلات الهجومية السريعة والكرة السلسة التي تضرب الخصوم في مقتل.

الشخصية الجديدة ورهان المنصّات
إنّ خروج أتلتيكو من صراع الليغا، كان بمثابة "فرصة ذهبية" لإعادة ترتيب الأوراق، والتركيز في بطولتي دوري أبطال أوروبا وكأس ملك إسبانيا، ونجاح سيميوني في خلق شخصية جديدة للفريق، جعلت أيّ منافس يعيد حساباته. فالخصوم لم يعودوا يخشون دفاع أتلتيكو الحديدي فحسب، بل باتوا يرتعدون من إعصار هجومي يملك القدرة على التسجيل من أنصاف الفرص وبـ"سكور" عالٍ لم يعتده جمهور الـ"روخي بلانكوس".
لكن السؤال المطروح الآن: هل يمتلك هذا الفريق "النفس الطويل" للمنافسة القارية والمحلية؟
الأرقام تشير إلى أنّ أتلتيكو مدريد لم يعد "فريقاً ثقيلاً" دفاعياً فحسب، بل أصبح "مرعباً" هجومياً، والمنافسة على البطولات تتطلب هذا المزيج النادر بين الصلابة التي أسّسها سيميوني قديماً، والسيولة الهجومية التي يطبّقها حالياً.
نبض