ميلان أليغري… فن العودة من "أقصر الطرق" وأصعبها
في عالم كرة القدم الحديثة، حيث تلهث الكاميرات خلف الاستعراض وتتغنى الجماهير بـ "تيكي تاكا" والضغط العالي، إختار ميلان بقيادة ماسيميليانو أليغري، أن يكون الطرف "الخشن" في المعادلة.
قد لا يكون الـ"روسونيري" في الموسم الحالي الفريق الأجمل بصرياً، ولا يمتلك تلك الانسيابية التي تداعب الخيال، لكنه بلا أدنى شك الفريق الأقوى ذهنياً والأكثر ثباتاً، وتحت قيادة "المايسترو البراغماتي"، استعاد ميلان شيئاً كان قد ضلّ طريقه لسنوات: هيبة الفريق الذي لا يُكسر.
عقيدة "النتيجة" وفن المعاناة
من المعروف أن أليغري من المدربين الذين يقدسون المدرسة الواقعية، فهو لا يؤمن بالاستحواذ السلبي أو الاندفاع الهجومي الذي يترك خلفه شوارع دفاعية مستباحة، بل هو مدرب يقدس "فن المعاناة"، لكنه يعرف جيداً طريق العودة.
بالنسبة إليه، جمال كرة القدم يكمن في إغلاق المساحات، وفي قتل المباراة بعد الهدف الأول، وفي تحويل الملعب إلى رقعة شطرنجٍ تكتيكيةٍ يتفوق فيها دائماً بقراءة الخصم. هذا "الشطرنج" لم يكن مصادفة، بل نتاج عقلية ترفض الارتجال، وتعرف كيف تحول "المتاح" من اللاعبين إلى آلةٍ دفاعيةٍ حديديةٍ لا تخترقها طموحات الكبار.
ديربي ميلانو الأخير لم يكن مجرد ثلاث نقاط، بل كان إعلاناً صريحاً عن عودة الروح الى "سان سيرو". سبع مباريات متتالية من دون هزيمةٍ في "ديربي الغضب" أمام "إنتر"، رقم يخبرك أن التاريخ بدأ يميل من جديد نحو الـ"روسونيري". بالفوز الثمين بهدفٍ نظيف، لم يقلص ميلان الفارق مع المتصدر من عشر نقاط إلى سبعٍ فحسب، بل أعاد إشعال "السيري آ" قبل عشر مراحل من النهاية، باثاً الأمل في عروق جماهير كانت تظن أن اللقب قد حُسم.
وتتجلى قيمة أليغري أكثر وتظهر بصمته مع ميلان، من خلال سجله أمام "النخبة".

الأكثر "قسوة"
الأرقام هنا لا تكذب: فوز ذهاباً وإياباً على إنتر، انتصار وتعادل مع روما، فوز على لاتسيو ونابولي بطل الدوري، وتعادلاتٍ استراتيجيةٍ مع يوفنتوس واتلانتا. ميلان أليغري أصبح خصماً "ثقيلاً" ومرهقاً، يجلس بثقله على صدور منافسيه حتى اللحظة الأخيرة، ولديه القدرة على امتصاص حماسة الخصم ليقتله في لحظة غفلة، وهي ميزة لا يمتلكها إلا المدربون الذين يعرفون كيف تدار المعارك الكبرى.
في عالم البطولات الكبرى، لا يفوز دائماً الأكثر جمالاً، بل يفوز الأكثر "قسوة" عندما تحين اللحظة الحاسمة.
أليغري أثبت أن إعادة فريقٍ كبيرٍ الى الطريق الصحيح لا تحتاج الى زينةٍ هجوميةٍ ومتعةٍ كروية، بل الى شخصيةٍ صلبةٍ وعقليةٍ ترفض الانكسار.
نبض