محمد وهبي... جسر رابط بين قطر وتشيلي مع منتخب المغرب
لحظة فارقة عاشها وليد الركراكي مع منتخب المغرب، فلو سجل إبراهيم دياز ركلة الجزاء في الدقيقة الأخيرة من نهائي كأس أمم أفريقيا في مرمى السنغال، لكان الكلام الآن مختلفاً، حمل الركراكي "عقدة النهائيات" وحده، ليجد نفسه خارج الكادر التدريبي لمنتخب "أسود الأطلس".
أسدل الستار على مرحلة "راس الأفوكا" ليبدأ المنتخب المغربي فصلاً جديداً يقوده المدرب محمد وهبي، الرجل الذي قاد "أشبال الأطلس" تحت 20 سنة للتتويج بكأس العالم في تشيلي. حضور وهبي في مؤتمر تقديمه كمدرب للمنتخب الأول كان هادئاً، لكن كلماته حملت ثقل المسؤولية: "أعي حجم التطلعات وفخور جداً بهذه الثقة، وأتعهد العمل بجديةٍ وتواضعٍ وعزيمةٍ كبيرةٍ وبروحٍ وطنيةٍ عاليةٍ من أجل مواصلة تطوير هذا المنتخب".
وهبي لم يكن مجرد بديل من الركراكي، بل رجل المرحلة الذي جمع بين المعرفة الأوروبية والخبرة المغربية. ولد في بروكسل عام 1976، ولم يمارس كرة القدم كمحترفٍ، لكنه استثمر دراسته وتكوينه الأكاديمي ليصبح من أبرز مدربي أوروبا في تطوير الشباب. بدأ مع فرق الناشئين لنادي ماكابي بروكسل، ثم التحق بأكاديمية أندرلخت عام 2004، وتدرج من تدريب البراعم حتى أصبح مساعداً في الفريق الأول، مساهماً في تطوير لاعبين عالميين مثل يوري تيليمانس وعدنان يانوزاي.
اكتسب قاعدةً معرفيةً متينة، مكنته من نقل فلسفته التكتيكية إلى المنتخبات المغربية. ويصفه بعض المحللين بأنه يشبه جوزيه مورينيو في البدايات: "لم يلعب كرة القدم احترافياً، لكنه فهم اللعبة بعقله، وطوّر أسلوبه من التدريب والتعليم المباشر"، كما يشبّهه البعض بالمدرب الأرجنتيني خوسيه نستور بيكرمان عندما قاد الأرجنتين في كأس العالم 2006، أي مدربٍ استراتيجي قادرٍ على إدارة الفريق واللحظة بأعلى درجات الذكاء التكتيكي.

إرث الركراكي
الركراكي ترك إرثاً كبيراً: نصف نهائي كأس العالم 2022، نهائي كأس أمم أفريقيا 2025، وتصنيف "فيفا" الأفضل في تاريخ المغرب بالمركز الثامن. لكن الإخفاق في التتويج القاري كان وقعه قاسياً "كرة القدم تمر بدورات مختلفة، وبعض اللحظات يتطلب طاقةً جديدةً ورؤيةً مختلفة"، قال الركراكي نفسه عند وداعه.
وهنا يأتي دور وهبي، الذي يعرف جيداً أن المرحلة المقبلة تتطلب دمج الخبرة بالشباب، وإعادة الثقة للفريق بعد صدمة نهائي "الكان". ويضيف: "ليس هناك فرق بين لاعبٍ يبلغ 19 عاماً ولاعبٍ يبلغ 34 عاماً، ما يهم هو مستوى كل لاعب وقدرته على تقديم أفضل أداءٍ للفريق".
فلسفة تكتيكية
وهبي معروف بتفضيله اللعب الهجومي المبني على الاستحواذ والسيطرة على وسط الميدان، مع ضغطٍ مستمرٍ لاستعادة الكرة سريعاً من مناطق الخصم. أسلوبه يتسم بالمرونة والذكاء التكتيكي: يعرف متى يتراجع عند التقدم في النتيجة أو مواجهة خصوم أقوى، كما فعل في نهائي كأس العالم للشباب ضد الأرجنتين.
المدرب البرتغالي جواو سكارمنتو، مساعده الأول، قال عنه: "وهبي يقرأ المباراة قبل أن تتحرك الكرة. كل تحرك وكل تمريرة يتم التخطيط لها، لكنه يعرف متى يترك اللاعبين يعبرون عن أنفسهم بحرية"، وهو ما يعكس قدرته على خلق توازنٍ بين الانضباط والحرية الإبداعية داخل الملعب.
المغرب سيخوض نهائيات كأس العالم 2026 في المجموعة الثالثة إلى جانب البرازيل، هايتي واسكتلندا، وهي مواجهة تتطلب مستوى لياقة عالياً وقدرةً على التحمل النفسي: "المرحلة المقبلة لا تستدعي تغييرات جذرية، وليست هناك ثورة يجب القيام بها"، قال وهبي.
المدرب الجديد سيكون ضالعاً باستدعاء وجوهٍ شبابيةٍ تألقت معه في تشيلي على غرار عثمان معما وياسر الزابيري، إلى جانب لاعبين أصحاب خبرةٍ في الدوريات الأوروبية الكبرى، بغية خلق فريق متجانس.
وبينما يشبّهه البعض بمورينيو في أسلوبه التكتيكي وإدارة الفريق، وببيكرمان في رؤيته الاستراتيجية، يظل وهبي رجل المرحلة الذي يجمع بين العقل الأوروبي والروح المغربية، مؤمناً بالشباب وقدرته على صناعة الفارق، ومتمسكاً بأسلوب لعبٍ هجوميٍ جذابٍ يوازن بين الانضباط والجرأة.
نبض