"هل يجب أن نموت في البيوت؟"... الرياضة اللبنانية في الحرب بين المخاطرة والأمل
في بلد يختلط فيه صوت صفارة الحكم بصفارات الإنذار، تجد الرياضة نفسها في لبنان بين خيارين صعبين: التوقف تفادياً للمخاطرة، أو الاستمرار دفاعاً عن نبض الحياة.
وبين ملاعب وقاعات صامتة وأخرى لا تزال تُسمع فيها أصوات الرياضيين، يتجلى سؤال كبير: هل يمكن للرياضة أن تصمد خلال الحرب؟
ومع قرار وزارة الشباب والرياضة تعليق الأنشطة الرياضية كافة، خيّم الصمت على عدد من الملاعب والقاعات، وتحديداً تلك المتعلقة بالاتحادات الوطنية، فتوقفت بطولات كانت تشكّل متنفساً للشباب.

في المقابل، اختارت بعض الأندية والرياضيين الاستمرار في التدريب وممارسة الرياضة، إيماناً بأن الحركة مقاومة، وأن الحفاظ على الجاهزية هو شكل من أشكال التحدّي في وجه الظروف القاسية، وفي ظل الاستحقاقات الخارجية المقبلة.
وفي هذا المشهد المتناقض، تبدو الرياضة اللبنانية كأنها تعيش معركة من نوع آخر: معركة للحفاظ على الأمل، وعلى حلم جيل كامل يرى في الملاعب مساحة للنجاة، حتى عندما تضيق البلاد بالحرب.

صدمة توقف النشاطات
ويؤكد رئيس الاتحاد اللبناني للتايكواندو حبيب ظريفة أن قرار وزارة الشباب والرياضة شكّل لنا صدمة، خصوصاً أن استعدادات اللاعبين واللاعبات تتواصل طوال العام و"أمامنا الكثير من الاستحقاقات الخارجية التي سنمثل لبنان فيها".
يضيف في حديث مع "النهار": "لا ننتظر روزنامة البطولات والاستحقاقات، بل نجهز المنتخبات واللاعبين واللاعبات طوال العام، ليكون الجميع مستعدين في أي لحظة. وخلال شهر شباط/فبراير الماضي، شاركنا في أكثر من بطولة وأحرزنا ميداليات، وكان التفاؤل هو عنوان المرحلة، قبل أن تبدأ الحرب وتوقف كل أنشطتنا".
يتابع ظريفة: "بإمكان الرياضي اللبناني أن يكون على قدر المسؤولية، خصوصاً في التايكواندو، لكن للأسف هناك ظروف على صعيد وطن، وبالتالي الأولية تصبح الوطن، والأكيد أننا حين ننافس في الخارج ونحرز ميداليات، فإننا نساعد أيضاً هذا الوطن".
وعن وجود خطة بديلة إذا طالت فترة الحرب، أجاب رئيس اتحاد التايكواندو: "بالتأكيد لدينا خطة بديلة وسندرسها، وسبق أن عشنا هذه الأوضاع خلال الحرب السابقة، ونجحنا مع ليتيسيا عون في تحقيق نتيجة مميزة خلال أولمبياد 2024، وها هي اليوم تتأهل إلى غران بري . دائماً اتحادنا يجد الحلول بالتعاون مع وزارة الشباب والرياضة والأهل واللاعبين والأندية ولجان الاتحاد، وأبطال لبنان هم سوبر أبطال".
ويختم ظريفة حديثه: "الحياة صعبة جداً في لبنان، والتايكواندو في هذه الأوضاع تساعد كثيراً الشخص على التعامل مع الظروف الصعبة، حتى في سن مبكرة، وتقف إلى جانبكم وتعلمهم كيف يقفون بعد كل سقطة".

هل تُلغى المنافسات؟
وإن كانت الرياضات الفردية الرسمية في لبنان توقفت، مع بعض الاستثناءات والتدريبات في الصالات الرياضية أو المنزل، فالوضع لا يبدو مختلفاً في الرياضات الجماعية، حيث علقت الأنشطة أيضاً، حتى إن الاتحاد اللبناني لكرة اليد قرر تأجيل كل البطولات قبل اتخاذ وزارة الشباب والرياضة قرارها.
ويشدد الأمين العام للاتحاد اللبناني لكرة اليد جورج فرح أن "السلامة العامة هي الأهم في ظل هذه الأوضاع التي يمر بها لبنان"، مشيراً إلى أن "كل البطولات تأجلت، واستناداً إلى التطورات، سيتخذ الاتحاد قراراته".
ويؤكد في تصريح لـ"النهار": "إذا طالت فترة الحرب، فالاتحاد سيدرس التوقيت والظروف، وقد يتخذ قراراً بتعديل النظام الفني للبطولات، بموافقة الأندية، وقد يضطر أيضاً إلى إلغاء المنافسات، وهذا رهن بالأوضاع في لبنان".

ماذا عن الأندية؟
وتبدو الحسرة واضحة على الأندية والمدربين واللاعبين، مع توقف النشاطات، إلا أن المدرب المساعد للأنصار سامي الشوم يبدو متفائلاً بـ"الحياة التي يجب أن تستمر. لدينا استحقاق كأس التحدي الآسيوي، فالاتحاد الآسيوي لا يعتمد على وضع لبنان فقط، بل المنطقة ككل".
ويضيف في حديث مع "النهار": "في أي لحظة يمكن للاتحاد الآسيوي أن يتخذ قراراً باستكمال المنافسات، لذلك علينا أن نكون جاهزين، ومن هنا نحن نتدرب بحسب الإمكانيات والظروف المتاحة أمامنا، للحفاظ على جاهزية اللاعبين".
ويدرّب الشوم أيضاً في إحدى الأكاديميات، حيث يعتبر أن الرياضة عموماً وكرة القدم خصوصاً هي رسالة حياة و"هدفنا مساعدة المجتمع حتى يستمر. ليس صحياً أن يبقى الأولاد في المنازل يتابعون الحروب ويقرؤون الأخبار، فالرياضة هي المتنفس الوحيد للشباب والشابات وعليهم الخروج من الحالة النفسية الصعبة التي قد يمرون بها خلال جلوسهم في المنزل".
ويؤكد أنه رغم تعليق الأنشطة، "الإنسان معرّض لأيّ مكروه في أيّ مكان، ونحن لا نخوض أيّ مباريات، بل هدفنا الترفيه عن الأولاد في ظل هذه الأوضاع الصعبة".

أهالٍ يتحدّون الظروف
ويعتبر والد أحد اللاعبين أن "هدفنا الأول هو إبعاد أولادنا قدر الإمكان عن الأجواء المشحونة والحرب الحاصلة، ولا يمكن أن تتوقف الرياضة في البلاد، ومن الضروري ممارسة أي لعبة، لأن الرياضة الروحية مهمة أيضاً".
أما حبيبة، التي تبلغ من العمر 15 عاماً، فتحدثت بغصة: "هل يجب أن نموت في البيوت؟ أنا أحب الحياة وكرة القدم، وأنزل إلى الملعب لأنه فشة خلق، نحب لبنان، وأتمنى أن يكون لي مستقبل هنا وأن يتحسن الوضع في أقرب وقت ممكن".
بين ملاعب أُطفئت أنوارها خوفاً على السلامة، وأخرى ما زالت تنبض بحركة اللاعبين والأولاد، يظهر أن الرياضة في لبنان ليست مجرد منافسات أو بطولات، بل مساحة للأمل ومتنفس لجيل يرفض أن تُختصر حياته بأخبار الحرب.
فهل تستطيع الرياضة اللبنانية الاستمرار كمساحة للحياة والأمل، أم تفرض الحرب صفارتها الأخيرة على الملاعب؟
نبض