منتخب العراق بين سندان الحرب ومطرقة الـ"فيفا"… حلم المونديال على المحك
أسابيع قليلة تفصل منتخب العراق لكرة القدم عن خوض أهم مباراتين في تاريخه الحديث، حيث يسعى لإنهاء صيام أربعة عقود، والعودة إلى نهائيات كأس العالم في نسخة الصيف المقبل في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. لكن "أسود الرافدين" وجدوا أنفسهم أمام أزمة لم يشهدها أي منتخب آخر في تاريخ مشاركاته.
منتخب العراق يستعد لمواجهة الفائز من لقاء بوليفيا وسورينام في مدينة مونتيري المكسيكية في 31 آذار/مارس، ضمن المنافسة على إحدى البطاقتين الأخيرتين المؤهلتين إلى النهائيات. لكن الأزمة ليست فنية أو مرتبطة بالإعداد البدني، بل بسبب الحرب "الأميركية - الإسرائيلية" على إيران وانعكاساتها الإقليمية، التي عطّلت حركة اللاعبين ومنعتهم من السفر والوصول إلى المكسيك لخوض المباراة الحاسمة.
تلقى الاتحاد العراقي إشعاراً بإغلاق المجال الجوي للبلاد "لأربعة أسابيع على الأقل"، ما يعني أن نحو 40 في المئة من البعثة لن يتمكنوا من السفر، وهو ما يضع العراق على حافة الإقصاء القسري قبل أن يبدأ الملحق نفسه.
وأوضح مصدر من داخل المنتخب: "نحن مشتتون في أنحاء العالم… علينا أن نستعد وكأنّ المباراة ستقام، لكن ذلك لا يبدو مرجحاً حالياً".
المدرب الأسترالي غراهام آرنولد عالق في دبي، وعدد من اللاعبين لم يحصلوا على تأشيرات دخول إلى المكسيك أو الولايات المتحدة، حيث كان مقرّراً إقامة معسكر تدريبي. السفارات مغلقة، الطرق البرية محفوفة بالمخاطر، والخيارات البديلة شبه مستحيلة.
في مواجهة هذه الأزمة، ذكرت مصادر من داخل الاتحاد العراقي لكرة القدم أنّ "الاتحاد وضع خطة تتضمن اجتماع لاعبي المنتخب العراقي، من الذين يلعبون في الدوري المحلي في بغداد، ثم يتوجهون براً بالحافلة إلى إقليم كردستان، قبل مواصلة الرحلة براً إلى تركيا، فيما سينضم إليهم اللاعبون المحترفون الموجودون في الدوريات الأوروبية والآسيوية والعربية، على أن يسافر الجميع بعدها إلى المكسيك على متن طائرة واحدة استعداداً لخوض المباراة الحاسمة المؤهلة إلى المونديال المقبل".
العراق لا يواجه أزمة تنظيمية داخلية أو ضعفاً فنياً، بل واقعاً سياسياً وأمنياً مفروضاً من الخارج. الحرب على إيران لم تبقَ محصورة في حدودها، بل عطّلت حركة اللاعبين والبعثات الديبلوماسية وأقفلت الأجواء؛ وكل ذلك خارج إرادة المنتخب.
الاتحاد العراقي أعلن أنه على تواصل مستمر مع الـ"فيفا" لضمان مشاركة المنتخب، مشيراً إلى أنّ الاتحاد الآسيوي يتابع الأزمة عن كثب. لكن الواقع يقول إنّ المسؤولية الكبرى تقع على الـ"فيفا"، الذي أظهر عجزاً عن حماية مبدأ العدالة الرياضية. تركيزه على المواعيد والجداول، من دون مراعاة الظروف الاستثنائية التي يمر بها العراق، يكشف قصوراً بنيوياً في إدارة البطولة.

وتؤكد تصريحات الرئيس الأميركي بأنّه "لا يهتم فعلياً" بمشاركة إيران في المونديال، وأنّ السياسة الإقليمية تتحكم بمصير الفرق الوطنية أكثر من النتائج على أرض الملعب. العراق اليوم هو الضحية المباشرة لهذه الحسابات: فريق مؤهل ومنافس يواجه خطر الإقصاء بسبب قرارات سياسية وأحداث أمنية، لا رياضية.
إصرار الاتحاد الدولي على إقامة المباراة بموعدها، ومن دون مراعاة الواقع العراقي، ليس مجرّد خطأ إداري، بل يعكس إهمالاً صارخاً لمسؤولية الاتحاد الدولي في حماية المنافسة العادلة. أي منتخب في المنطقة يواجه نفس العقبات: تأشيرات معلقة، أجواء مغلقة، ضغوط سياسية، تحت شعار "فصل السياسة عن الرياضة"، بينما الواقع ينفي ذلك تماماً.
العراق لا يطلب امتيازاً، بل حقاً أساسياً: أن يُقاس أداؤه في الملعب، لا أن يُحكم عليه مسبقاً بسبب صراعات خارجية. إذا فشل في الوصول إلى المباراة، فسيكون الإقصاء غير مباشر بقرار سياسي، وسابقة خطيرة في تاريخ كأس العالم.
على صعيد آخر، تلقى الاتحاد العراقي مفاتحة أولية من نظيره الأرجنتيني لإقامة مباراة ودية بين المنتخبين في 9 حزيران/يونيو المقبل، في إطار استعدادات المنتخب الأرجنتيني لمونديال 2026، حيث يُعتبر العراق منافساً قوياً في تحضيراتهم، ما يعكس المستوى المتقدم للفريق العراقي على الرغم من كل العقبات.
في هذه الظروف، نهائيات كأس العالم لم تعد مجرّد منافسة رياضية، بل انعكاساً صارخاً للصراعات الإقليمية على الرياضة العالمية. الـ"فيفا" مطالب اليوم بالتحرّك الفوري لحماية الفرق التي لم تُشارك في صنع القرارات السياسية، وإلا فإنّ مصداقية كأس العالم ستصبح محل تساؤل: بطولة تُدار وفق الاعتبارات التجارية والسياسية أكثر من العدالة والمنافسة الرياضية.
العراق اليوم يثبت أنّ كرة القدم ليست مجرّد لعبة، بل اختبار للعدالة، في ظل حرب لم يخترها، حيث يُختبر معنى أن تكون بطولة عالمية حقاً لكل الفرق، وليست امتيازاً للأقوياء سياسياً.
نبض