مونديال 2026 بين الحرب والسياسة... كرة القدم على صفيح ساخن
قرابة ثلاثة أشهر تسبق صافرة البداية لأضخم نسخةٍ من نهائيات كأس العالم، في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، ويبدو أنّ البطولة لن تكون مجرد احتفالٍ عالميّ بكرة القدم، بل مسرح لتشابك السياسة والحرب والرياضة.
الحدث الأكبر في تاريخ كرة القدم، مع 48 منتخباً و104 مباريات في 16 مدينة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، يواجه أعتى أزمة في تاريخه، ولم يكن من أحد ليتوقع أنّ البطولة ستصبح محاصرة بظل الصراع في الشرق الأوسط إثر الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.
الهجوم العسكري على طهران الذي أدى الى اغتيال المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي وعدد من المسؤولين الكبار، مثّل زلزالاً سياسياً ورياضياً، إذ قال رئيس الاتحاد الإيراني مهدي تاج: "ما هو مؤكد هو أنه بعد هذا الهجوم، لا يمكن توقع أن نتطلع إلى كأس العالم بأمل".
اللاعبون الإيرانيون لم يتدربوا، المباريات الودية أُلغيت، والتجمعات التحضيرية توقفت، وسط حالة حداد وطني لمدة 40 يوماً. وكل ذلك يحدث بينما المنتخب الإيراني من المقرر أن يلعب جميع مبارياته في الولايات المتحدة بين كاليفورنيا وسياتل، حيث يقبع صراع سياسي وقوانين تأشيرات صارمة قد تمنع الفريق من دخول البلاد.

ازدواجية المعايير
وفي الوقت الذي قد يتعذر فيه على إيران المشاركة، يلتزم الاتحاد الدولي "فيفا" الصمت، يراقب الأحداث كما لو كان مجرد متفرج على المسرح، على رغم أنّ قراراته السابقة، مثل ضم فريق إنتر ميامي لميسي إلى كأس العالم للأندية 2025، لم يكن لها أي أساس قانوني واضح، أو إبعاد روسيا عن النسختين الأخيرتين بسبب الحرب في أوكرانيا، هذا هو جوهر ازدواجية المعايير: قوانين يمكن تحريكها لدعم أصدقاء، بينما فرق كاملة مهددة بالحرب قد تُستبعد بسهولة.
وصرح الأمين العام لـ"فيفا" ماتياس غرافستروم: "لقد عقدنا اجتماعاً وسنراقب تطوّرات الوضع في جميع القضايا حول العالم… تركيزنا منصب على إقامة كأس عالم آمنة بمشاركة الجميع".
رئيس "فيفا" جياني إنفانتينو، المعروف بعلاقته الوثيقة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يظهر كأنّ كرة القدم أصبحت جزءاً من مشروع دعائي أكبر، من جائزة السلام لـ"فيفا" التي تسلمها ترامب، إلى التغاضي عن تأثير السياسات الأميركية على حقوق اللاعبين والدول المشاركة.
إلى جانب التهديد العسكري، هناك التهديد الأمني: العنف في المكسيك، احتجاجات الهجرة في الولايات المتحدة، وتأخر تمويل المدن المستضيفة للمرافق ومناطق المشجعين. كل هذه التحديات تجعل تنظيم كأس العالم 2026 أكثر تعقيداً من أي نسخة سابقة، وتضع الـ"فيفا" تحت ضغط هائل لموازنة الرياضة والسياسة.
كما أنّ القوانين تسمح لـ"فيفا" باستبدال أي فريق ينسحب، لكن لم يُحدد بوضوح من يمكن أن يكون البديل، مما يفتح الباب أمام السيناريوهات المعقدة: العراق أو الإمارات قد يحلان محل إيران، لكن كل ذلك يتم ضمن سياسة موسومة بالانتقائية والازدواجية.
ما كان يُفترض أن يكون "أكبر حدث على وجه الأرض" بات مهدداً بأن يتحوّل إلى مسرح لصراع سياسي عالمي. تصريحات ترامب المتكررة عن "فرصة حرية الشعب الإيراني" لم تكن مجرد كلام؛ إنها إشارة إلى كيف يمكن أن تصبح الرياضة أداة سياسية.
حتى لو انطلقت المباريات، ستظل البطولة محكومة بالتوترات الدولية والسياسات المتناقضة. سيكون على "فيفا" أن يثبت أنه يستطيع حماية استقلالية الرياضة، لكن الحقائق تشير إلى أنّ كأس العالم 2026 لن تكون بعيدة من تأثيرات السياسة والحرب، وستصبح اختباراً حقيقياً للنزاهة، للاستقلالية، ولقدرة كرة القدم على أن توحّد بينما العالم حولها يشتعل.
نبض