لعبة الكبار: صراع المال والسياسة يسيطر على كرة القدم
تبدّل حال كرة القدم حول العالم. اللعبة الشعبية باتت تحت الهيمنة الرأسمالية بالكامل. فكل مفاصلها باتت مرتبطة بالقوة والنفوذ، وتحوّلت إلى ساحة صراع مصالح بين المال، السياسة، والقانون الدولي.
كل هدف، وكل بطولة، وكل قرار إداري أو تنظيمي أصبح يحمل صراعاً خفياً على النفوذ والمال، وفي كثير من الأحيان، على السياسة نفسها. وكشفت السنوات الأخيرة أن الملاعب الأوروبية والدولية باتت حلبة لصراعات القوى الكبرى التي تتقاسم الاتحادات، الأندية، اللاعبين وحتى الدول.
كانت أزمة السوبرليغ عام 2021 واحدة من أبرز محطات الصراعات، عندما حاولت أندية كبرى مثل ريال مدريد، برشلونة وجوفنتوس، إلى جانب ستة أندية إنكليزية، إطلاق بطولة منافسة لدوري أبطال أوروبا على الطراز الأميركي، بهدف تعزيز قوتها المالية والسيطرة على القرار الأوروبي. المشروع انهار سريعاً تحت ضغط الجماهير والسياسة، لكنه ترك ندوباً قانونية ومالية ضخمة، حيث ارتفعت الدعاوى القضائية إلى مليارات اليوروات، وسمّم العلاقة بين الأندية الكبرى والاتحاد الأوروبي الـ "يويفا".
بعد سنوات من التوتر، أعلن رئيس الـ "يويفا"، ألكسندر تشيفيرين، في المؤتمر الخمسين للاتحاد القاري، نهاية هذا الملف نهائياً، بعد اتفاق مع ريال مدريد ورئيسه فلورنتينو بيريز، ليعيد الأندية الكبرى إلى "العائلة الأوروبية". لم يعد هناك شكّ في أن الجدارة الرياضية هي المعيار الوحيد للتأهل، وأن المصالح المالية لا يمكن أن تحل محل النتائج على أرض الملعب.
وقال تشيفيرين: "لقد سئمنا جميعاً من هذه الخلافات، والفائز الوحيد هو كرة القدم. كرة القدم تفوز عندما نتّحد"، بحضور رئيس الـ"فيفا" اللبناني جياني إنفانتينو، ورئيس رابطة الأندية الأوروبية القطري ناصر الخليفي، اللذين أشادا بالمصالحة، وأكدا أن التعاون البنّاء هو مستقبل اللعبة. وقال إنفانتينو: "هذا يوم عظيم لتاريخ الرياضة… انتهت فكرة الاحتكار، وبدأت مرحلة التعاون البنّاء".
هذا الاتفاق لم يضع نهاية للصراعات المالية والسياسية فحسب، بل شكل نموذجاً لما يمكن أن يحدث عندما تتلاقى مصالح الأندية الكبرى مع مصالح الاتحاد الأوروبي والفيفا، وكيف يمكن للحلول الديبلوماسية أن تعيد التوازن إلى كرة القدم.
توسع مالي وسياسي
أولى انعكاسات المصالحة، كانت على مسابقة كأس العالم للأندية المقبلة؛ فبعد النجاح الكبير لنسخة 2025 التي استضافتها الولايات المتحدة، يُتوقع أن تتوسع نسخة 2029 لتضم 48 فريقاً، بعد موافقة الـ "يويفا" على المشروع، بشرط ألا تُقام البطولة كل سنتين، لتفادي الضغط على جدول دوري الأبطال والدوريات الأوروبية.
بالتالي، سيرتفع عدد المقاعد الأوروبية إلى 16 مقعداً، لضمان حضور الأندية الكبرى مثل برشلونة، ليفربول، ومانشستر يونايتد، التي لم تتأهل تحت النظام السابق. الجانب المالي مذهل. فقد حصل نادي تشيلسي على 85 مليون جنيه استرليني من إجمالي جوائز بلغت 774 مليون جنيه استرليني في النسخة الماضية. هذه الأرقام تظهر بوضوح حجم الإغراءات المالية والهيمنة التي تمنحها البطولة للأندية الأوروبية الكبرى. لكنها تثير - في المقابل - اعتراضات اللاعبين والدوريات الوطنية بسبب ضغط المباريات وإرهاق اللاعبين.
يُنظر إلى هذا التوسع على أنه أقلّ ضرراً من فكرة إقامة البطولة كل سنتين، التي كانت قد اقترحتها أندية مثل ريال مدريد، وواجهت رفضاً من الـ "يويفا" وكل الدوريات الأوروبية، ما يوضح بأنّ الكرة الأوروبية تحاول الموازنة بين المكاسب المالية الكبيرة والحفاظ على التنافسيّة في دوري الأبطال، وهو تحدٍّ غير مسبوق في تاريخ اللعبة.

السياسة تتداخل مع الكرة
في الجانب السياسي، وإزاء الحرب في أوكرانيا، حُظرت المشاركة في المسابقات الدولية على المنتخبات والأندية الروسية، واقترح إنفانتينو إعادة روسيا إلى المنافسات، قائلاً: "الحظر لم يحقق شيئاً، بل زاد الإحباط والكراهية. الكرة لا ينبغي أن تعاقب اللاعبين بسبب قرارات سياسية".
لكن تشيفيرين كان حازمًا قائلاً إن "موقف "يويفا" واضح ولم يتغير. القرار لا يمكن فصله عن السياسة".
هذا يؤكّد أن كرة القدم لم تعد مجرّد رياضة، بل مرآة للتوترات الدولية، وأن قرارات الاتحادين الدولي والأوروبي مرتبطة بالقرار السياسي، بينما يحاول اللاعبون والجماهير الحفاظ على العدالة الرياضية. كذلك، يشير بعض المراقبين إلى سياسات الكيل بمكيالين التي تتبناها بعض المنظمات تجاه النزاعات الدولية الأخرى، مثل ما يجري في غزة، حيث لم تتحرك الهيئات الرياضية بالمثل، ما يسلّط الضوء على ازدواجية المعايير.
حقل مصالح
من السوبرليغ إلى كأس العالم للأندية، ومن ملف روسيا إلى الجوائز المالية المتصاعدة، كرة القدم اليوم هي حقل مصالح معقدة. الأندية الكبرى تبحث عن المال والنفوذ، وتسعى لتحويل البطولات إلى أدوات تأثير مالية وسياسية، فيما الاتحادات تتصارع على السيطرة والتوازن بين المنافسة والربحية، واللاعبون والجماهير يمثلون قوة ضغط للحفاظ على العدالة.
نبض