عندما تُدار الساحرة المستديرة بعقلية "سد الخانات" في مصر
في كرة القدم الحديثة، تبدو القوانين الثابت الوحيد، بينما النتائج متغيرة وغير متوقعة. أما في مصر، فانعكست الأدوار، والنتائج أصبحت معروفة مسبقاً، بينما التغيرات التنظيمية والمفاجآت أصبحت سمة ثابتة لكل موسم.
لا نملك رؤية واضحة حول عدد الفرق، نظام الهبوط أو التصعيد، أو مواعيد بداية ونهاية الموسم، ويبدو أنّ النظام أقرب إلى إدارة فوضى مستمرّة تحت شعار "التنظيم"، من دون الانتماء إلى منظومة رياضية محترفة.
أساس المشكلة يكمن في العقلية الإدارية؛ فنفتقر إلى اتحاد يمتلك رؤية طويلة المدى، وبدلاً من البناء السليم، يتحوّل كل موسم إلى محاولة لتجاوز تحديات آنية بأبسط الحلول.
منذ سنوات والكرة المصرية تُدار بطريقة عشوائية، بل يُعتمد على جرعات موقتة لتسكين الأزمات. ففي مواسم الأزمات، يلجأ الاتحاد إلى تغييرات كإلغاء الهبوط أو تعديل متكرّر لنظام الدوري، وفي ظل جدول مزدحم، تُلغى بعض المباريات أو تؤجل من دون حساب للعواقب.
هذا النهج جعل القرارات حلولاً لتسكين للأوجاع بدلاً من أن تكون أساساً لتطوير شامل، حتى أصبحت آليات مثل إلغاء الهبوط عادة متكرّرة تُبرّر بمختلف الحجج، وبهذا فقدت المنظومة قيمتها الأساسية مثل التنافسية والعدالة.

إلى جانب ذلك، تعاني بطولة الدوري من عدم الاتساق؛ أنظمة تتغير باستمرار وكأنه دوري بلا هوية، يُضاف إلى ذلك التخبط في المواعيد، حيث يطول الدوري لما يزيد عن عام، مع تضارب مزمن يؤدي إلى إنهاك اللاعبين.
وعلى النقيض، نجد الدوريات العالمية والعربية تسير بتنظيم احترافي وانضباط؛ المواعيد محددة مسبقاً ويتم الالتزام بها بدقة.
وفي هذا السياق الفوضوي تأتي مداولات الاتحاد المصري لكرة القدم حول إمكانية إلغاء الدوري هذا الموسم لتلبية رغبة الجهاز الفني للمنتخب الوطني في تحضيرات مبكرة لكأس العالم، إلا أنّ السيناريو يصبح أكثر تعقيداً إذا وصلت فرق مثل الأهلي أو بيراميدز أو الزمالك إلى النهائيات القارية، وتأجيل مباريات تلك الأندية سيعني تمديد البطولة إلى مدة أطول وهو ما يبدو الآن صعب التحقيق.
الحديث أيضاً عن إلغاء الهبوط يشير إلى زيادة عدد الفرق لـ24 فريقاً، ولكن الحقيقة أنّ زيادة العدد لا ترتبط بجودة الأداء، بل بتوسيع دائرة ضعف المسابقة وتعميق مشكلاتها، والجميع سيتحمّل تبعات هذا العبث؛ فاللاعب يخوض المنافسات من دون مشروع واضح، والمدرب يجد نفسه محاسباً على أداء منظومة لا يمتلك السيطرة عليها، والجمهور يفقد ثقته، بينما يهرب الاستثمار من بيئة تفتقد إلى الاستقرار، ليبقى المنتخب هو الضحية.
إنّ إعادة بناء الكرة المصرية لا يمكن أن تتم بالاستمرار في هذا النهج، وتحتاج المنظومة إلى تفكير استراتيجي وإدارة واعية قادرة على اتخاذ قرارات مدروسة تدعم روح المنافسة، والخطوة الأولى نحو الإصلاح تبدأ من تغييرات جذرية تستهدف جوهر المنظومة وتعمل على خلق استدامة تليق بالآمال والطموحات.
نبض