كاسيميرو يروّض الزّمن قبل الرّحيل
الهزيمة الحقيقية للاعب ليست في عجز جسده، بل حين يفقد عقله شغفه وروحه إصراره، فالتاريخ لا يُكتب بأقدام الأسرع، بل بقلوب أولئك الذين يحملون الصدق ويتقنون سباق الزمن بدلاً من ملاحقته.
كاسيميرو، في موسم ظنّ الكثيرون أنه سيشهد نهاية صفحاته، قدّم درساً عميقاً لكل من يختزل دورة حياة اللاعب في معادلة بسيطة من صعود وسقوط محتوم.
لم يظهر نجم مانشستر يونايتد كلاعب يقترب من الانهيار، بل عاد كقائد يُعيد تشكيل دوره بروح ذات صلابة وحكمة أكبر، يقدم أداءً يفيض بالنضج والتجربة بدلاً من الارتهان للياقة زائلة.
كاسيميرو و"الضجيج"
ما يقدمه كاسيميرو اليوم ليس مجرد ومضة عابرة لعطاء رياضي قبل أفوله، بل هو تجسيد حقيقي لانتصار الإرادة والمعنى على تغيّر السنوات، فاللاعب الذي رفض أن تُكتب نهايته بأقلام الآخرين اختار أن يكون هو الكاتب الوحيد لفصله الأخير.
ورغم موجة الانتقادات التي تعرض لها في الفترة الأخيرة، حيث وُصف بالمنتهي بدنياً والبطيء، ومع المباريات التي بدت وكأنها تؤكد تلك المقولات وتضع علامة استفهام حول استمراريته، لم يلتفت كاسيميرو إلى الضجيج.
والجمهور الذي كان يهتف باسمه بالأمس، طالب برحيله اليوم إلى الدوري السعودي، وكأن القصة قد انتهت والنهاية بالفعل معروفة، لكنه اختار أن يرد في المكان الذي يعرف كيف يتحدث فيه، وهو الملعب.

كاسيميرو "العقل المدبر"
ومع ارتفاع مستوى الاستقرار الفني تحت قيادة المدرب مايكل كاريك في مانشستر يونايتد، ظهرت نسخة محدثة وأقوى من كاسيميرو، فلم يعد مجرد لاعب وسط يؤدي مهامَّ تقليدية، بل بات قائداً مؤثراً يعتمد عليه الفريق في أصعب الظروف وأقسى اللحظات.
في مباريات صعبة مثل مواجهتي مانشستر سيتي وأرسنال، بدا هذا التغيير واضحاً وضوحاً مذهلاً، فلعب دور العقل المدبر الذي يدير الإيقاع والقلب النابض الذي يثبت استقرار الفريق، وبفضل أدائه، استعاد الدفاع توازنه ووجد الفريق طريقه للخروج من حالة التذبذب.
ثم جاءت المباراة المفصلية ضد فولهام، حيث حقق مانشستر فوزاً صعباً 2-3، وفي هذا اللقاء كان كاسيميرو أكثر من مجرد اسم في قائمة اللاعبين، بل كان الحصن المنيع واللاعب القادر على قلب موازين المباراة.
وتخطى تأثيره مجرد الأرقام والإحصائيات، فلم يتوانَ عن القتال على كل كرة، أغلق المساحات بدهاء الخبراء، وضبط وتيرة اللعب بمهارة القائد الواثق حتى لحظة خروجه بعدما أدى دوره بأكمل وجه، وفي النهاية، استحق عن جدارة لقب رجل المباراة.
رسالة شديدة الهدوء
حتى أولئك الذين قسوا عليه سابقاً وجدوا أنفسهم يعترفون بتألقه، ومنهم جيمي كاراغر، الذي سبق أن قال إن "كرة القدم تجاوزت كاسيميرو"، ليعود ويعترف بأن ما رأيناه ليس مجرد أرقام أو أهداف، بل عودة قوية لقائد وُلد من جديد، مشيراً إلى أن اللاعب أصبح قطعة لا غنى عنها في مانشستر يونايتد.
وفي ضوء هذا الأداء الاستثنائي، أعلن كاسيميرو قراره بإنهاء رحلته مع مانشستر يونايتد نهاية الموسم، وجاءت رسالته شديدة الهدوء والبساطة، خالية من المظاهر البراقة أو مشاهد الوداع المسرحية، لكن كلماته بعد الإعلان لفتت الأنظار: "سأظل أعطي كل ما لدي حتى آخر ثانية لي هنا".
نبض