فابريغاس وكومو… نجاح يبدأ من الفهم قبل الطموح
في كرة القدم، لا يُقاس نجاح المدرب بعدد المباريات التي فاز بها فقط، بل بقدرته على تغيير موقع فريقه داخل المشهد العام للمنافسة، وهذا بالتحديد ما يفعله سيسك فابريغاس مع كومو. تجربة بدأت بلا ضجيج، لكنها سرعان ما فرضت نفسها كواحدة من أكثر القصص إثارة في الدوري الإيطالي هذا الموسم، ليس بسبب المفاجأة وحدها، بل بسبب استمراريتها.
كومو لم يدخل الموسم باعتباره مشروعاً للمنافسة على المراكز المتقدمة، ولم يُطرح اسمه ضمن حسابات الصراع الأوروبي. كان الهدف الضمني هو العبور الآمن، وتجنب الوقوع في دوامة الهبوط المبكر، لكن ما حدث على أرض الواقع تجاوز هذه التوقعات تدريجاً، حتى أصبح الفريق طرفاً ثابتاً في معادلة الترتيب، لا ضيفاً عابراً فيها.
اللافت في مشروع فابريغاس لا يتعلق بالنتائج وحدها، بل بالكيفية. الفريق يمتلك توازناً نادراً بين الصلابة الدفاعية والفاعلية الهجومية، وهو توازن لا يتحقق صدفة، ولا يُبنى في وقت قصير. أن يكون كومو ثاني أقوى هجوم في الدوري، وفي الوقت ذاته ثاني أقوى دفاع بالتساوي مع أندية بحجم جوفنتوس وإنتر، فذلك يعكس وضوحاً في الأفكار قبل أن يعكس جودة في الأسماء.
ومع مرور 22 مرحلة من الـ"كالتشيو"، لم يتعرّض الفريق سوى لأربع هزائم فقط، وهو رقم يضعه في مصاف الفرق المستقرّة، لا تلك التي تعيش على نتائج متقلبة. هذا الثبات هو ما منح كومو موقعه الحالي في المركز السادس، وجعل الفارق مع المراكز المؤهلة إلى دوري الأبطال لا يتجاوز ثلاث نقاط، في سيناريو كان يُعد مستحيلاً عند انطلاق الموسم.
النظر إلى جدول الترتيب يكشف حجم التحوّل بشكل أوضح. كومو يتقدم على فرق اعتادت لعب أدوار البطولة الأوروبية مثل أتالانتا، ولا يفعل ذلك بفارق ضئيل أو ظرفي، بل بسلسلة من المستويات المقنعة التي جعلت التقليل من إنجازه أمراً غير منطقي، بل إنّ فرص حجز مقعد أوروبي باتت أقرب إلى الواقع، في ظل فارق مريح نسبياً عن أقرب ملاحقيه.
وفي الكأس، لم يختلف المشهد كثيراً. الوصول إلى ربع النهائي بعد إقصاء فيورنتينا، وباستخدام عناصر من دكة البدلاء، أكد أنّ المشروع لا يعتمد على تشكيلة واحدة أو لحظة استثنائية، بل على منظومة تعرف كيف تؤدي وظيفتها تحت الضغط، وعلى أكثر من جبهة.

تجربة فابريغاس مع كومو لا يمكن اختزالها في موسم ناجح أو مركز متقدم، فهو مدرب يعيد تعريف طموح نادٍ صغير، لا عبر الشعارات، بل عبر إدارة ذكية للتفاصيل، وفهم عميق. ما يعيشه كومو هذا الموسم ليس مفاجأة بقدر ما هو حصاد طبيعي لمسار بدأه الإسباني منذ اليوم الأول. مشروع بُني على فهم واقعي لقدرات الفريق، بدأ بالنجاح في الخطوة الأولى بالصعود إلى الـ"كالتشيو" عام 2024، بعد غياب منذ 2002، ثم تجاوز هدف البقاء في الموسم الأول بتحقيق المركز العاشر، وهو إنجاز غاب عن النادي منذ الثمانينيات، واليوم يبدأ الحصاد الفعلي.
نبض