ركلة واحدة قلبت التاريخ: دياز بين المجد والهزيمة
الرباط
كان كلّ شيء مهيّأ لتعيش المملكة المغربية "ليلة لا مثيل لها"، ليلة تكسر صياماً دام نصف قرن، فثمة أجيال لم تنعم مسبقاً بلحظة المجد الكروي وتسيّد القارة الأفريقية، على الرغم من أن الشعب المغربي يتنفس كرة القدم.
كرة القدم بالنسبة إلى المغاربة ليست مجرد لعبة، بل "خبز يومي"، قد تتشتت فيه الانتماءات للأندية، لكن مع نشيد "منبت الأحرار"، يتّحد الجميع خلف منتخبهم الوطني. وفي ليلة تاريخية، كانت الشوارع تتزين بالأعلام، والقلوب معلقة بأمل الاحتفال بالكأس الأفريقية. كل شيء كان يبدو ممكناً، فالمغرب وصل إلى نهائي كأس أمم أفريقيا 2025 بأداء هجومي مذهل، بقيادة إبراهيم دياز، اللاعب الذي تحول إلى رمز للبطولة وأمل للجماهير. لكن كرة القدم، كما تعلمنا، لا تمنح المجد بلا اختبار.
ركلة غيّرت كل شيء
الدقيقة الـ 95 كانت اللحظة الحاسمة. احتسب حكم الفيديو المساعد (VAR) ركلة جزاء لمنتخب "أسود الأطلس"، وسط احتجاجات السنغال وتهديد بالانسحاب وتعطل المباراة نحو 13 دقيقة. تقدم دياز لوضع الكرة على النقطة البيضاء، وطبع قبلة قصيرة، ثم نفّذ تسديدة "بانينكا" جريئة إنما بطريقة "كارثية". لكن الحارس السنغالي إدوارد ميندي كان يقظاً، فالتقط الكرة بثبات، لتبدأ مأساة اللاعب والمشجعين على حد سواء. بعدها بدقائق قليلة، جاء هدف بابي جاي القاتل ليهدي السنغال الفوز 1‑0.
لم يخف المدرب المغربي وليد الركراكي استياءه، متهماً مدرب السنغال بابي ثياو بالتسبب في "عار لأفريقيا" بعد طلبه من لاعبيه الانسحاب احتجاجاً على التحكيم، وقال: "المباراة توقفت أمام العالم لأكثر من عشر دقائق، وهذا لم يساعد إبراهيم، ولا يبرر الطريقة التي سدد بها ركلة الجزاء".
على الجانب الآخر، أقنع قائد السنغال ساديو مانيه رفاقه بالعودة إلى الملعب والإيمان بالأمل الضئيل، بينما قال بابي غاي بعد المباراة: "شعرنا بالظلم، لكن ساديو أقنعنا بالعودة لنقدّم كل ما لدينا... وفعلناها".

بعد استبداله، بدا دياز محطماً على مقاعد البدلاء، ودموعه تنزلق على خديه. لحظة الركلة الضائعة لم تكن مجرد خسارة نقطة، بل فرصة ضائعة لتسجيل اسمه في التاريخ. وصف مهاجم نيجيريا السابق إيفان إيكوكو لحظة الركلة قائلاً: "ماذا يفعل إبراهيم دياز؟ لا أصدق أنه فعل ذلك. قد لا يحصل على فرصة أخرى لتسجيل هدف الفوز في نهائي كأس الأمم الأفريقية".
رغم هذه اللحظة القاسية، يظلّ دياز أحد أبرز اللاعبين في البطولة، وأول مغربي يتصدر قائمة الهدافين بخمسة أهداف، وسجّل حتى الآن 13 هدفًا في 22 مباراة دولية، ما يؤكد تأثيره الكبير وسرعة تأقلمه مع الكرة الأفريقية.
ليلة الرباط لم تكن مجرد مباراة، بل اختباراً نفسياً وتكتيكياً. الضغط الجماهيري، القرارات التحكيمية المثيرة للجدل، والنقص في عناصر الدفاع لدى السنغال، كلها عوامل جعلت المباراة معقدة. هذا هو درس كرة القدم: البطولة لا تُحسم بالموهبة وحدها، بل بالبرود الذهني، والتركيز، والقدرة على اتخاذ القرار الصحيح في أصعب اللحظات.
درس للمستقبل
الخسارة لا تُنقص من إنجازات المنتخب المغربي، لكنها تفرض وعياً جديداً: أن المجد يُصنع بالتركيز الذهني مثلما يُصنع بالمهارة. المغرب، من خلال هذه البطولة، تعلم أن النهائيات تختبر النفوس قبل الأقدام، وأن لحظة واحدة يمكن أن تغيّر التاريخ. دياز، رغم ركلة الجزاء الضائعة، يظل رمزاً للبطولة، لأنه حمل ثقل الانتظار الطويل وواجه أقسى اختبار ممكن للبطولات.
ليلة الرباط كانت مريرة، لكنها لم تُنهِ حلم المغرب. هي درس للجميع: كرة القدم قاسية، التاريخ لا يُهدى، واللحظات الكبرى تختبر اللاعبين والفريق بأكمله. إبراهيم دياز سيبقى جزءاً من ذاكرة هذه البطولة، ليس فقط بسبب الركلة الضائعة، بل لأنه جسّد روح المغرب وطموحاته، وحمل آمال ملايين الجماهير على عاتقه.
نبض