ضغوط الكبار تُسقط من لا يملكون الثبات
في عالم كرة القدم، الوصول إلى القمّة قد يبدو سريعاً ومبشّراً، لكن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على البقاء هناك، فلا شك في أن العديد من اللاعبين يجذبون الأضواء بأدائهم المميز وأرقامهم اللافتة مع فرق صغيرة أو في أجواء أقل ضغطاً، ويُنظر إليهم كنجوم صاعدين وحلول مثالية حال انتقالهم إلى الأندية الكبرى، لكن الواقع غالباً ما يكون مغايراً؛ إذ يخبو بريقهم سريعاً ويبتعدون تدريجاً عن المشهد.
اللعب في أحد الأندية الكبرى لا يُختبر فقط على مستوى المهارات الكروية، بل يمتدّ إلى تحديات ذهنية وضغوط نفسية هائلة.
اللاعب مطالب بالتصدي لمسؤولية القميص وما يصاحب ذلك من توقعات الجماهير وضغط المباريات المتواصل، وفي تلك الفرق، لا فرصة لتكرار الأخطاء أو التراجع الطويل؛ فالاعتراف بالإنجازات السابقة ليس من شيم هذه الأندية، التي تُقيّم اللاعبين بما يقدّمونه يومياً وبقدرتهم على الثبات.
نجوم فقدوا الثقة
في أجواء كهذه، كثيراً ما تتحوّل الإنجازات السابقة من دافع ينير الطريق إلى عائق نفسي يثقل كاهل اللاعب، ما يجعله في اختبار دائم لإثبات قدراته مع كل مباراة.
ثمة أمثلة كثيرة للاعبين سطعت نجومهم بسرعة في أنديتهم الصغيرة، لكنهم تعثروا عند الانتقال إلى أندية القمّة.

أحد أبرز هذه الأسماء هو نيكولا بيبي، الذي شغل العناوين أثناء لعبه مع ليل الفرنسي بعد موسم مذهل 2018-2019 سجّل خلاله 22 هدفاً وصنع 11 تمريرة حاسمة، لكن بمجرد انضمامه إلى أرسنال في 2019 بصفقة قياسية للنادي، بات يكافح للتأقلم مع سرعة الدوري الإنكليزي وضغوط السعر المرتفع، ورغم خوضه أكثر من 80 مباراة بين عامي 2019 و2023، لم يسجل سوى 16 هدفاً فقط.
أما الألماني تيمو فيرنر فهو مثال آخر، فقد تألق مع لايبزيغ محققاً 28 هدفاً في موسم 2019-2020 عبر جميع البطولات، لكنه عانى عند انتقاله إلى تشيلسي في 2020، وخلال موسمين فقط، اكتفى بإحراز 10 أهداف لا غير، وازدادت الضغوط عليه بعد كل فرصة مهدرة، ما أفقده ثقته بنفسه وجعل الانتقادات تلاحقه باستمرار، وهو ما انعكس سلباً على مستواه الفني.
حكيم زياش... الغائب؟
كذلك نجد حالة حكيم زياش، اللاعب المغربي الذي تألق بقوة مع أياكس الهولندي وأسهم في أكثر من 80 هدفاً بين تسجيل وصناعة خلال الفترة من 2018 إلى 2020، ومع انتقاله إلى تشيلسي، ورغم لحظات إبداعه التي أبرزت موهبته الاستثنائية، لم ينجح في الحفاظ على استمرارية الأداء في نادٍ لا يمنح الكثير من الوقت للتكيّف.

الأندية الكبيرة تمثل ضغطاً يمتدّ لما هو أبعد من المستطيل الأخضر، فكل خطأ يتضخّم تحت أنظار الإعلام والجماهير، ولا يُسمح للاعب بترف المبررات أو الهفوات الصغيرة، وكل مرحلة تراجع تتصدّر العناوين وتثير الجدل.
الموهبة الحقيقية تتجلى في مدى قدرة اللاعب على تحمّل هذه الضغوط والحفاظ على أدائه المستقر في بيئة تطلب النجاح بلا توقف، ومن هذا المنطلق، الإعلام والجماهير ليسوا هم من يسقط اللاعب، بل هم مرآة تعكس ضعف استعداد أولئك الذين لم يُهيّئوا أنفسهم لمواجهة مصاعب تلك الساحة، فالوصول إلى القمّة قد يبدو طريقاً زاخراً بالبريق والشهرة، لكن البقاء هناك هو الاختبار الأصعب الذي لا يجتازه إلا الموهوبون الأقوياء بأدائهم وعزيمتهم.
نبض