إمام عاشور نجم مصري بمواصفات عالمية
في كرة القدم الحديثة، لم يعد تقييم اللاعبين مقتصراً على الجوانب البدنية أو عدد الدقائق التي يقضونها داخل الملعب، بل أصبحت القيمة الحقيقية تُقاس بمدى التأثير والحضور، وقدرة اللاعب على ترك بصمته في أصعب الظروف، وهناك فئة نادرة من اللاعبين لا تحتاج إلى الظروف المثالية لتبرز، لأنّ جودتهم تتخطّى الإيقاع البدني وتظهر بوضوح في لحظات الضغط الأقصى.
إمام عاشور يُجسّد هذا النوع الاستثنائي من اللاعبين، فهو لا يُقيَّم فقط بما يقدّمه من إحصائيات أو عبر فترات غيابه عن الملاعب، بل يتمحور حول حضوره الذهني الذي ينعكس في وعيه الكامل داخل الملعب، وفي قدرته على إعادة تعريف أدواره تبعاً لمقتضيات المباراة.
مع بداية كأس أمم أفريقيا الحالية، أثارت قرارات حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، تساؤلات عديدة، خصوصاً حين قرّر استبدال إمام عاشور مبكراً في مباراة زيمبابوي بعد مرور 34 دقيقة فقط، وبرّر المدرب اختياره بعدم اكتمال الجاهزية البدنية للاعب عقب تعافيه من إصابتين متتاليتين، وعودته بعد انقطاع دام ستة أشهر تقريباً.
هذا الغياب الطويل لم يكن تفصيلاً عابراً؛ إذ فاتت عاشور المشاركة في كأس العالم للأندية، وغاب لنحو نصف موسم، ليصل إلى البطولة القارية وهو بعيد عن أعلى مستوياته البدنية، وكان مشهد جلوسه على دكة البدلاء خلال المباريات الأولى للمنتخب يبدو منطقياً للوهلة الأولى، لكنه فتح الباب للعديد من التساؤلات بشأن توقيت عودته ومدى جاهزيته الحقيقية.
ولكن المفاجأة جاءت عندما اختير أساسياً في واحدة من أهم مواجهات البطولة، لقاء ربع النهائي أمام ساحل العاج.
مرّ نصف موسم من دون أن يلعب عاشور بشكل كامل، ومع ذلك، قدّم أداءً استثنائياً على مدار 80 دقيقة كاملة، لفت خلالها الأنظار بتمريرتين حاسمتين أُحرز منهما هدفان، إحداهما بلمسة فنية فائقة الدقة بوجه القدم.
إنجازاته لم تكن مرهونة بالركض أو القوة البدنية، بل تمثّلت في اتخاذ القرارات الصائبة، التوقيت المثالي، والتنفيذ الدقيق.
أداء عاشور الفني كان غنياً وشاملاً؛ تحرّك كلاعب حرّ بين الأطراف، تولّى صانع الألعاب المتقدم عند بناء الهجمات، وتحوّل إلى محور ثالث عند فقدان الكرة، مع دعم دفاعي وضغط عالٍ بجانب زملائه، في مشاهد تعكس وعيه التكتيكي الشامل.
إمام عاشور لاعب شامل بكل المقاييس؛ يجمع بين المهارة الفردية، الفهم التكتيكي العميق، القوة البدنية، ودقة التنفيذ، سواء عبر التمريرات المتقنة أو التسديدات الحاسمة، قدرته على اللعب بكلتا القدمين وقراءة تفاصيل المباراة تجعله اسماً خاصاً في مركز خط الوسط.

معضلة عاشور الوحيدة تكمن في الإصابات التي لطالما طاردته في أبرز المنافسات، لكنها لم تمنعه من الظهور كواحد من أفضل نجوم المنتخب في أكثر المباريات صعوبة، وهي لحظات تلخص لاعباً يعود وكأنه يختار توقيته المثالي بعناية، ليعيد التوازن والثقة إلى المنتخب حين يصبح الأمر الأكثر ضرورة.
نبض