منتخب نيجيريا عكس التيّار في أمم أفريقيا
في كرة القدم، منتخبات تُبنى على الاستقرار، وأخرى لا تعيش إلا وسط الفوضى. نيجيريا ليست استثناءً في القاعدة الثانية، بل النموذج الأكثر تطرّفاً لها. منتخب يدخل كل بطولة محاطاً بالأزمات، ويخرج منها منافساً شرساً على اللقب، وكأنّ الفوضى دافعه الأقوى للاستمرار.
في كأس أمم أفريقيا 2025، تظهر نيجيريا كأنها تسير عكس المنطق. خارج الملعب، لا شيء يوحي بالاستقرار؛ أزمات إدارية متكرّرة، خلافات معلنة، تأخر مستحقات، وتوتر دائم، وتهديدات مبطّنة بالتمرّد أو الانسحاب. صورة كفيلة بإسقاط أيّ منتخب "طبيعي". لكن مع صافرة البداية، تختفي هذه الصورة، ويظهر منتخب يلعب بثقة، وبوضوح في الأفكار، وبقدرة واضحة على فرض إيقاعه، وكأنه يترك كل شيء خلفه ويدخل بعقلية مختلفة تماماً.
على أرضية الملعب، نيجيريا لا تبحث عن السيطرة الشكلية، ولا تملك هوس الاستحواذ، بل تلعب كرة قدم قاسية، مباشرة، تعتمد على الإيقاع المرتفع والضغط المستمر، وكسب الوقت والصراع قبل كسب المساحة، مع حضور بدني لافت يجعل غالبية مواجهاتها اختبارات قاسية لخصومها الذين لا يُهزمون باللمسة الأخيرة، بل يُستنزفون حتى الانهيار.
هذا الأسلوب لا يهدف إلى تقديم المتعة بل تحقيق الفاعلية اللازمة، والقدرة على فرض النسق الخاص بها على المباراة.

اللافت أنّ هذا المنتخب، رغم امتلاكه أحد أقوى الخطوط الهجومية في القارة، لا يبدو متهوّراً كما كان في فترات سابقة، فرغم قدرة تلك الأسماء على الحسم الفردي، لا يعتمد على الحلول الفردية فقط. فالتحوّل الأهم جاء في العمل التكتيكي بقيادة إريك شيل الذي أعاد ترتيب منظومة الفريق ككل. الأدوار باتت محددة، والمساحات محسوبة، والتحرّكات أكثر ترابطاً. الفريق يعمل كوحدة متكاملة، ما قلّل من العشوائية التي لازمته في فترات سابقة.
الانطباع القديم عن نيجيريا باعتبارها منتخباً هجومياً بامتياز ودفاعياً قابلاً للاختراق، لم يعد دقيقاً. الضغط المبكر، والتمركز الجيد، والقدرة على استعادة الكرة سريعاً، كلها عوامل حدّت من فرص المنافسين، وأجبرتهم على اللعب تحت ضغط دائم. النتيجة لم تكن فقط تقليل الأهداف المستقبلة، بل السيطرة على مسار المباراة نفسه.
مباراة الجزائر كانت مثالاً واضحاً على ذلك؛ تفوّق في السيطرة، كثافة في الوصول إلى منطقة الجزاء، ونجاح في تعطيل الخصم عن أداء دوره الطبيعي أو حتى محاولة إيجاد أي حلول. والمحصلة، منتخب سجل 14 هدفاً في 5 مباريات فقط، ولم يستقبل سوى 4 أهداف.
كل هذا يأتي في ظل ظروف بعيدة من المثالية. ومع ذلك، لم ينعكس الاضطراب خارج الملعب على الأداء داخله، وهو ما يفتح تساؤلاً مشروعاً حول السقف الحقيقي لقدرات هذا المنتخب إذا توفرت له بيئة أكثر استقراراً.
على مستوى المنافسة، تبدو نيجيريا قادرة على الوصول إلى النهائي، والحديث عن اللقب لم يُعد مبالغاً فيه. لكن العقبة الأبرز تبقى مواجهة المغرب، صاحب الأرض والتنظيم الدفاعي الأكثر صلابة في البطولة. مواجهة من هذا النوع ستكون الاختبار الأصعب، وإن نجحت نيجيريا في تجاوزه، فستدخل النهائي بثقل واضح، سواء كان الخصم مصر أو السنغال.
نبض