"أبطال" الحرب الجديدة!
2001-06-28
نعيش اليوم في لبنان حرباً أهلية جديدة! لا على مستوى الشعب بل على مستوى السلطة: حرب أهلية بين أهل الحكم، بين من يتقاسم السلطات، أي رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء وأجهزة المخابرات اللبنانية وأجهزة المخابرات السورية و”حزب الله”.
نعم، هؤلاء هم أبطال الحرب الاهلية اللبنانية الجديدة الذين يتنازعون السلطة، بل الوطن، وعلى حساب الشعب. فبدل ان يعمل أهل السلطة على “تخليص” لبنان من الكارثة الاجتماعية والاقتصادية التي يتخبط بها ها هم يعملون على “التخليص” عليه بمعنى انهائه على كل المستويات.

وما لم يفهمه أبطال الحرب الاهلية الجديدة هو أن حربهم تكبّد لبنان اليوم وقف الاستثمارات وشلّ اعادة الاعمار وضرب العجلة الاقتصادية وتعليق استرجاع السيادة. وما لم يفهمه أبطال هذه الحرب هو ان الجميع في لبنان وخارجه يعرفون حقيقة ما يجري.
ما لم يفهمه هؤلاء هو اننا نعيش عصر الشفافية حيث لا حدود لكشف الاسرار ولا حدود لفتح الملفات، ملفات الجميع، ولا حدود لتسمية الاشياء والاشخاص بأسمائهم، فكلنا شاهدنا أخيرا فتح ملف شارون من خلال محطة ال B.B.C وكلنا نعيش اليوم قضية ميلوسيفيتش، وكلنا نتذكر قضية رولان دوما في فرنسا وهلموت كول في المانيا، وكلنا نذكر كيف حرك القضاء الفرنسي أخيرا ملف… هنري كيسينجر، والعالم أجمع يعرف ان لا مكان بعد اليوم لمجرمي الحرب والمرتكبين وأعداء حقوق الانسان وزعماء الفساد ورجال الصفقات والتهريبات!
ما يحصل اليوم في لبنان يضر بسمعته وبسمعة شعبه، والشعب يبدو كأنه يتفرج غير مبالٍ لفرط ما تراكمت امام أنظاره الفضائح، فسئم وقرف ويئس. ان كل ما يحصل اليوم في لبنان يدخل في خانة الصراع على السلطة، وكل شيء أصبح مسيساً ونابعاً مباشرة من الصراع بين لحود وبري والحريري وأجهزة المخابرات اللبنانية والسورية و”حزب الله”.
قضية “طيران الشرق الاوسط” مثلاً، بدلاً من ان تطرح وتحل في اطارها الطبيعي ومن خلال لجان اختصاص محايدة وذات مصداقية، تحولت جزءاً من هذه الحرب الاهلية الجديدة ودخلت في زواريب التنازع السياسي بين الحريري و”حزب الله” وبري الذين يصفّون حساباتهم السياسية على حساب تصفية الشركة!
كلنا نعرف كيف كان يتم التوظيف أيام الحرب وبعد حل الميليشيات، وكلنا نعرف ان ما يحصل اليوم سيدفع ثمنه أولا كل من لا يتمتع بغطاء سياسي او دعم مباشر من أحد أبطال هذه الحرب الاهلية، وكلنا نعرف ان الخاسر الاكبر في النتيجة سيكون شركة “طيران الشرق الاوسط” ولبنان سواء على مستوى سمعته او وضعه الاقتصادي او الاجتماعي.
وما يحصل اليوم في “طيران الشرق الاوسط” حصل مثله في قضية دمج الجامعة اللبنانية حين دخلت هذه القضية ايضا وايضا لعبة الحرب الاهلية الجديدة، آملين ان تتمكن اللجنة المسؤولة عن درس الملف، والتي يترأسها نائب رئيس الحكومة عصام فارس من ان تنجح باخراج الجامعة اللبنانية من هذه الورطة وان تحيّد قضيتها عن حرب السلطات في لبنان.
ان ما يحصل اليوم هو صراع بين رئيس الجمهورية الذي لا يتفق مع الرئيس الحريري ولا يرتاح اليه، ويبدو انه لا يتمنى له النجاح رغم التصريحات الرسمية العامرة بالمحبة، وصراع بين الحريري وكل الآخرين بسبب طريقته في ممارسة السلطة حيث يتعامل مع الآخرين هؤلاء وكأنهم موظفون عنده… وصراع بين الرئيس بري وسائر السلطات لانه يريد ان يكون شريكا في الشاردة والواردة فيها، وفي “الواردة” أكثر من الشاردة… وسلاحه، فضلا عن السلطة التشريعية شاهدة الزور، السلطة العليا، عنيت دمشق، من خلال ضبط مجلس النواب على الايقاع السوري. الا ان الرئيس بري “يجتاز” حاليا مراحل خلاف مع رئيس الجمهورية المدعوم الاول في دمشق، مما جعله يتوجس على مركزه لدى القادة السوريين، فضلا عن دخوله في لعبة اخرى من ألعاب التناقضات الداخلية تتمثل في صراعه مع رئيس أحد أجهزة المخابرات الذي يتردد انه سيكون منافساً لبري على رئاسة المجلس بعد الانتخابات النيابية المقبلة…
فكان التجاذب المعروف بين رئيس المجلس والمدير العام للامن العام. أما “حزب الله” فبعد الشعبية التي حصدها نتيجة لدوره في تحرير الجنوب، يحاول اليوم خرق السلطات وكل الخريطة السياسية اللبنانية لفرض مشروعه المستورد - عنيت الجمهورية الاسلامية - ولو خطوة خطوة. الا انه دخل هو ايضا زواريب التجاذبات السياسية، مما وضعه في خانة الطرف وأفقده معظم الرصيد الذي تجمّع له من قضية التحرير، وخصوصا بعدما توقفت العمليات في مزارع شبعا اثر قصف الرادار السوري.
و”حزب الله” يحاول اليوم الاستفادة من التناقضات ليلعب دور “بيضة القبان” ويحاول ايضا السيطرة على النقابات لما لها من تأثير، الا انه يصطدم هنا بأجهزة المخابرات التي تحاول هي ايضا خرق النقابات، لأنها تعتبرها خزانا اساسيا وورقة مهمة جدا لتحريك الشارع والضغط على الوضع الاجتماعي والاقتصادي، بالاضافة الى الورقتين السورية والايرانية اللتين يستعملهما “حزب الله” لفرض نفسه. وهنا نصل الى أجهزة المخابرات السورية، فنراها تارة “تجرّ” الجميع لتستفيد من هذه الحرب الاهلية وتقطف ثمار التناقضات، وطورا تنساق بدورها الى هذه الرمال المتحركة عبر انجرارها وراء حلفائها او صنائعها، مما يجعلها تتورط أكثر فأكثر، مسيئة أكثر فأكثر الى سمعة سوريا في لبنان.
وفي هذا الوقت تراهن الاجهزة المخابراتية اللبنانية على هذه الحرب الاهلية للوصول الى حالة اهتراء سياسي وفرض حكومة أمر واقع عسكرية تردد انه قد يترأسها القاضي عدنان عضوم الذي يعرف هو ايضا قواعد لعبة تركيب التحالفات المحلية والسورية انطلاقاً من التناقضات! … وكل هذا يترافق طبعا مع صفقات من هنا وصفقات من هناك وفتح دفاتر من هنا واقفال دفاتر من هناك، حتى فاحت روائح الفساد والفضائح من كل حدب وصوب و”غطت” الجميع.
هذا هو القليل مما نعيشه اليوم في لبنان حيث يدفع الشعب مباشرة من لحمه ودمه وحاضره ومستقبله ثمن هذه الحرب الاهلية بين أهل السلطة. فأوقفوا حربكم ايها “الابطال” وتوحدوا واعملوا معا على انقاذ ما يمكن انقاذه، وضعوا حداً لحرب التناتش… فعلى كل حال لم يعد ثمة شيء للتناتش او التقاسم في هذا الوطن المسكين.
تذكروا يا جماعة اننا نعيش اليوم في عصر جديد، وعالم جديد تحكمهما الشفافية والعدالة الدولية، فلا كبير ولا مظلة ولا غطاء لفاسد او مفسد… فان لم تقرأوا بعد، فاستمعوا او شاهدوا، فربما تفهمون عن أي شيء نتكلم!
نبض