لبنان القدّيس… ولبنان الآخر!

مقالات جبران 12-12-2025 | 04:30

لبنان القدّيس… ولبنان الآخر!

هذه الارض الفجريّة هي ارض تعشق السلام والمحبة والالفة… … اما الآخرون، فقد زحفوا الى القرداحة ليقدموا الطاعة لمن يشكل ضمانا لوجودهم لا لراحة ضمائرهم ولمن هم مسؤولون امامه، اي الباب العالي!
لبنان القدّيس… ولبنان الآخر!
الصفحة الأولى من عدد 2001-06-14. (النهار)
Smaller Bigger

2001-06-14

 

ذات يوم أحد 10 حزيران 2001 شاهدنا زحفاً شعبياً لبنانياً الى الفاتيكان - بالمعنى الايجابي لكلمة “زحف” - زحف من كل انحاء العالم لوفود تمثل لبنان المغترب والمقيم للمشاركة في أقدس وربما أهم احتفال بالنسبة الى لبنان منذ زمن طويل وفي مطلع الالفية الثالثة: ذلك هو اعلان قداسة رفقا.

 

… وفي اليوم نفسه، يوم 10 حزيران 2001، شهدنا زحفاً رسمياً لبنانياً الى القرداحة في سوريا - بالمعنى السلبي لكلمة “زحف” - زحف من كل مؤسسات الدولة من الرأس ونزولاً للمشاركة في احتفال ذكرى وفاة الرئيس الاسد. الشعب في وادٍ والدولة في وادٍ…

 

كالعادة لسوء الحظ! لا نقول هذا الكلام انتقاصاً من الوفد الرسمي اللبناني الذي شارك في احتفال رفقا ولكن نقول بكل صراحة إن خيبة أمل الشعب كانت كبيرة جدا عند رؤيته الدولة بأجمعها شادّة رحالها الى سوريا بدلاً من روما.

 

الصفحة الأولى من عدد 2001-06-14.
الصفحة الأولى من عدد 2001-06-14.

 

 

كان من المفترض ان يترأس وفد لبنان الى الفاتيكان رئيس الجمهورية اللبنانية وان يرافقه الرئيسان بري والحريري بالاضافة الى المفتي قباني والمفتي قبلان، لان اعلان قداسة رفقا هو تقديس للبنان ولقديسة تمثل كل لبنان وترمز الى معاناته، ولا تمثل طائفة واحدة او فريقاً دون سواه.

 

اعلان رفقا أول قديسة في الشرق ومن الشرق وفي هذا الظرف بالذات الذي تجتاح فيه الاصولية والردّة بلدان المنطقة بمفاعيلهما التعصبية والرجعية، هو بمثابة الحدث التاريخي الأهم ليس فقط للبنان، بل للشرق الاوسط بأجمعه، واسمحوا لنا ان نقول ان هذا الحدث كان الأهم للبنان صباح ذلك الاحد مقارنة باحتفال القرداحة، وخصوصا انه أول احتفال تقديس لاول قديسة في الالفية الثالثة.

 

واسمحوا لنا ان نسأل ماذا لو كانت القديسة من سوريا؟ هل كان حضر الرئيس الاسد شخصياً الاحتفال لو تزامن مع اي مهرجان سياسي آخر في سوريا او في أي بلد عربي، ام انه كان سيرسل وفداً رسمياً؟ نظن قطعاً أن الرئيس الاسد، وباسم سوريا ولمصلحتها، كان حضر الاحتفال.

 

ومن المؤكد قطعا كذلك ان لبنان الرسمي كان عندئذ سيشارك على اعلى مستوياته في حفل القديسة السورية وضميره مرتاح ومرتاح جداً ومن دون حرج او عقدة نقص ! ليلة السبت وصباح الاحد دخل الشعب اللبناني في حالة خشوع وصلّى من اجل خلاص لبنان، صلى وكانت مراجعة للضمائر…

 

وهذه المراجعة قامت بها الوفود الشعبية اللبنانية التي زحفت الى الفاتيكان لتطلب الغفران من رأس الكنيسة الكاثوليكية برعاية القديسة اللبنانية، زحفت لتصلّي على نية الوطن ولأجل خلاصه، ولتطلب الغفران والتسامح والمحبة والسلام في لبنان وللبنان، في امكنة يعتبرها المؤمنون من الاقرب الى السماء. زحف الشعب الى الكنائس والاديرة في لبنان والى الفاتيكان ليحمل عاليا علم بلاده، مؤكداً للعالم أن ارضه ارض مقدسة لانها ارض الآلام والآمال والتضحيات والبطولات، لانها ارض القديسين…

 

وان هذه الارض الفجريّة هي ارض تعشق السلام والمحبة والالفة… … اما الآخرون، فقد زحفوا الى القرداحة ليقدموا الطاعة لمن يشكل ضمانا لوجودهم لا لراحة ضمائرهم ولمن هم مسؤولون امامه، اي الباب العالي!

 

بكل صراحة نقول انه لسوء الحظ صودف احتفال تقديس رفقا مع احتفال الذكرى السنوية لوفاة الرئيس الاسد، وكنا تمنينا لو ان الاحتفال جاء قبل 24 ساعة او بعد 24 ساعة، بل ليت سوريا ومن باب الاخوّة والتنسيق والمحبة للبنان وانطلاقاً من العلاقات المميزة بين الاشقاء، بادرت الى تسبيق أو تأجيل ذكرى الاحتفال السنوي لمدة 24 ساعة أو أكثر ما دام المسؤولون عندنا لا يمكنهم اتخاذ القرار، بضمير حر وبال مرتاح، باختيار الاحتفال الاهم لبنانيا… كانت ستكون هدية، بل خطوة ايجابية وايجابية جداً تجاه لبنان، فضلا عن كونها مريحة للحكام من عبء اتخاذ قرار وطني “مستقل”! ولكن لم يحصل هذا، وانحشر لبنان الرسمي وفضّل الاحتفال السياسي السوري على احتفال قديسة وطنه رفقا اللبنانية التي احتفل بتقديسها وفرح بهذا التقديس العالم كله صباح 10 حزيران 2001. بين السياسة والقداسة اختارت دولتنا… السياسة.

 

والحسابات السياسية ربما تكون اقل كلفة او اكثر - حسب الموقع - من حسابات الله ومحاسباته البشر! … مع اننا اذا قمنا بجردة حسابات لاهل الدولة نرى انه في الحساب الجاري مع سوريا المسؤولون ليسوا مقصرين، بل هم من سلّف ويسلّف ربما اكثر مما هو مطلوب لبنانيا وحتى سورياً! بينما في الحساب الجاري مع شعبهم وربهم وربما ضمائرهم فهم بعيدون كل البعد عن التسليف كي لا نقول دخلوا الخط الاحمر، عنينا انهم مقصّرون!!!

 

… اما بعد فنقول لهم ان لا يخافوا، فالقديسة اللبنانية رفقا ستصلي من اجل لبنان ومن اجل شعب لبنان بمن فيهم الرسميون، فالقديسون لا يخافون ولا يحقدون، ويعملون من اجل كل القطيع دون تفرقة… … ربما هذه هي العلامة الفارقة بين اهل الدين والدنيا، بين السياسة والقداسة… … ذات أحد 10 حزيران 2001 لبنان وشعبه اختارا القداسة لان لبنان وشعبه من القديسين! اما المسؤولون…

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

النهار تتحقق 3/2/2026 10:43:00 AM
نبأ منسوب إلى وكالة "رويترز"، وتصريحات مزعومة للرئيس الروسي. و"النّهار" تقصت صحّتها. 
لبنان 3/2/2026 4:07:00 PM
نواف سلام: ما قام به حزب الله يشكل خروجاً عن مقررات مجلس الوزراء