على ارتفاع 2000 متر... حيث يتحوّل "الريباس" إلى نبض الأرض وهديّة الثلوج
عندما تصل إلى لوحة "عيناتا" (قضاء بعلبك) الزرقاء، لا تحتاج إلى خريطة لتعرف أنك في حضرة "الذهب الأخضر".
هناك، على علو شاهق من الغيم (2000 متر عن سطح البحر)، تلمح نبتة الريباس رابضة خلف اللوحة مباشرة، كأنها في استقبال رسمي لكل من يطأ أرض الجرد.
وما إن تطأ قدماك أرض الجرد، حتى تلمح نبتة الريباس تطل برأسها من بين الصخور كأنها حارس التراث الذي أبقته الثلوج أمانة في رحم الأرض.
قضينا يوماً كاملاً لم نكن فيه مجرد مراقبين، بل كنّا جزءاً من "ملحمة" سنوية يكتبها أهالي عيناتا وزوّارها بالجهد والعرق. الجبل الذي تحرّر لتوّه من قبضة الثلوج، أفرج عن كنزه الدفين "الريباس".
سيارات الدفع الرباعي تنهب الطرق الوعرة، وعائلات بأكملها تنتشر بين الصخور كخلايا نحل وهناك من يقطف ليملأ مائدته، وهناك "العتّالة" الذين يجمعونه للبيع، يصارعون وعورة المسالك ليحوّلوا "هدية الثلوج" إلى رزقٍ حلال.


في قلب هذا الزحام الجميل، كان مؤسس ورئيس جمعية درب العين طوني سعادة يمسك بالنبتة كمن يمسك جوهرة، وعلى يديه آثار تراب الجبل يشرح لنا أسرارها التي لا يعرفها إلا أبناء الجرد: "هذا هو الريباس، الذي يُطلق عليه أيضاً "شرش الريباس'"، تلاحظون أن له أوراقاً تلتف حول الثمرة لتحميها، ونحن نقطفها بهذه الطريقة".

وبحركة خبيرة، قشّر "التيج" الممشوق، فيسمع صوت "قرقعة" النبتة الغضّة وهي تنفصل عن غلافها، وتابع وهو يمد يده بقطعة منه: "يتم تقشيره هكذا؛ وبعد التقشير، هناك من يفضّل أكله كما هو، ومنهم من يضيف إليه السكر أو الملح.. إنه لذيذ جداً".
لم تكن التجربة مجرد تذوّق لمذاق حامض "يكهرب" الحواس ويوقظها، بل كانت درساً في صيدلية الطبيعة. يكمل سعادة وهو يشير إلى الجذور المتمسّكة بالتراب الندي: "نستخدم الأوراق والجذوع لصناعة "شراب الريباس" الذي يتميز بمذاقه الغريب والشهيّ، أما الجذور الموجودة في الأسفل، فتُستخدم علاجاً للكوليسترول ولآلام المعدة والأمعاء؛ إنه طب أعشاب حقيقي".
وعلى بعد خطوات، كان الشاب حسين شحادة من مدينة بعلبك يجسّد لهفة الانتظار السنوية لهذا المحصول. بابتسامة غلبت تعب التسلق، وعينين تلمعان ببريق الرضىعن محصوله، قال: "نحن ننتظر هذا الموسم من سنة إلى أخرى، لأن أطفالنا يحبّون الريباس كثيراً".
حسين الذي جاء ليُذيق أهله ورفاقه طعم الجبل، لم ينسَ دعوة كل غريب بلهجة تفيض كرماً: "من لم يتذوّق الريباس بعد، فليتفضّل بزيارة عيناتا ليجرّبه ويرى بنفسه كم هو لذيذ.. وأدعو الله أن يحفظ أهل عيناتا الكرام الذين يغمرون بمحبّتهم هؤلاء الناس الطيّبين".

غادرنا الجرد واللوحة الزرقاء تصغر في مرآة السيارة، لكن طعم "الذهب الأخضر" بقي تحت اللسان، وذكرى ذاك النهار على علو 2000 متر بقيت محفورة كوشمٍ جبلي؛ هناك حيث الريباس ليس مجرد نبتة، بل هو حكاية بقاء، وكرم أرض، وهديّة لا تأتي إلا لمن يجرؤ على صعود القمم.
نبض