الناشطة البيئية منى خليل... نزوح من البحر إلى سرير المستشفى
لم يكن النزوح هذه المرّة رحلة من قرية إلى مدينة، ولا انتقالاً من منزل إلى ملجأ. كان نزوحاً أكثر قسوة، اقتلع منى خليل من المكان الذي اختارته ملاذاً ورسالة وحياة، إلى سرير في المستشفى، بعدما أُصيبت بجروح بالغة جراء القصف الإسرائيلي الذي طال "البيت البرتقالي" في المنصوري، قبل أن يتحوّل ذلك المنزل الذي احتضن عمرها وذكرياتها إلى ركام.
منى، التي عادت إلى جنوب لبنان بعد سنوات من الغياب، لم تعد لتسكن بيتاً فحسب. "البيت البرتقالي" في المنصوري كان امتداداً لذاكرتها وشفائها بعد فقدان ابنها، ومشروعاً كرّست له أيامها لحماية السلاحف البحرية، تلك الكائنات الهشّة التي رأت فيها صورة عن معنى الصمود والاستمرار.

النزوح النفسي هو الوجه الأقل ظهوراً للحرب. فليس كل من يُقتلع من مكانه يغادره جسداً فقط، بل قد يُنتزع منه جزء من هويته وطقوسه وذاكرته. بالنسبة إلى منى، لم يكن الأمر ابتعاداً عن منزل فحسب، بل رؤية المكان الذي حوّلته إلى مساحة للقاء الإنسان بالطبيعة وقد سُوّي بالأرض. أن تستيقظ بعيداً عن صوت الموج الذي رافق صباحاتها، وأن تُحرم من رؤية الشاطئ الذي كرّست له سنوات عمرها، هو شكل آخر من أشكال الفقد الذي تخلّفه الحروب، حتى لو بقي المكان حيّاً في الذاكرة.
في مفارقة مؤلمة، تحوّلت المرأة التي أمضت سنوات تحرس الحياة على الشاطئ إلى مَن يحتاج اليوم إلى كل أشكال العناية والاحتضان. منى التي قاومت بطريقتها الخاصة، بالحب والرعاية والإيمان بأن حماية أضعف الكائنات هي حماية لمعنى الحياة نفسه، تجد اليوم من حولها مجتمعاً كاملاً يتمسّك بعودتها.

نعلم أن الأطباء يبذلون ما في وسعهم لإعادة العافية إلى جسدك المنهك، ونعلم أيضاً أن تلك الروح التي اختارت البقاء إلى جانب البحر رغم كل المخاطر لم تكن يوماً روحاً سهلة الانكسار.
ولعلّ أجمل ما تركته منى في "البيت البرتقالي" ليس فقط الأعشاش التي حمتها ولا السلاحف التي ساعدتها على الوصول إلى البحر، بل الفكرة التي زرعتها: أن حماية الحياة فعل مقاومة يومي. واليوم، ينتظر كثيرون أن تعود هي أيضاً إلى المكان الذي أعطته سنوات عمرها، لتكتب فصلاً جديداً من الحكاية التي لم تنتهِ بعد.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
الخزانة الأميركية تفرض عقوبات جديدة على فرنجية وقماطي وشبكة مالية مرتبطة بـ"حزب الله" في لبنان وسوريا والعراق وعُمان
نبض