على درب جبل عروبة أعلى قمم عكار... ثروة بيئية وطبيعية نادرة (فيديو)
في أقصى شمال لبنان، تتربع محافظة عكار على مساحة تبلغ نحو 780 كيلومتراً مربعاً، تجمع بين البحر والسهل والجبل، وتُعدّ من أغنى المناطق اللبنانية طبيعياً وبيئياً. وتختزن المحافظة ثروة طبيعية فريدة من نوعها، إذ تضم ما يقارب 21,000 هكتار من الغابات والأحراج، وتتوزع فيها النظم البيئية المختلفة من الشواطئ الرطبة إلى القمم الجبلية حتى ارتفاع 2235 متراً.

شاركنا في رحلة علمية على مدى يومين بين بلدتي مشمش على درب عكار الجيولوجي وفنيدق على درب جبل عروبة أعلى قمم عكار (2235 متراً عن سطح البحر)، مع مجموعة من الباحثين والمهتمين بالنباتات، قطعوا خلالها حوالى 20 كيلومتراً بين الجبال والوديان التي تحوّلت إلى مختبر حيّ.
"إذا استطاعت الماعز الصعود، فهذا يعني أنك لم تصل بعد". قالها رامي معلوف، أحد المشاركين، ممازحاً وهو يتسلّق طريقاً وعراً فوق 1900 متر. وأوضح: "لقد شاهدت صوراً كثيرة لطبيعة عكار، لكن المشاهدة في الواقع مختلفة كلياً، أن تجلس هنا بين هذه النباتات وتعرف أن بعضها لا ينمو في أي مكان آخر في العالم، هو شعور لا يُوصف".

وثّق المشاركون خلال هذه الرحلة ما يزيد عن 85 نوعاً من النباتات البرية، بينها 19 نوعاً نادراً ومهدداً بالانقراض معظمها نباتات متوطّنة لا تنمو إلا في لبنان، وبعضها لم يرصد سابقاً في عكار.
التنوع الحقيقي في الجرد
عثمان، مرشد جبلي شاب من فريق جمعية "درب عكار"، لفت إلى مفارقة مهمة: "الناس يظنون أن التنوع الإيكولوجي موجود فقط في الغابات، لكن الواقع أن الجبال الجرداء، خصوصاً تلك التي تبدو خالية من الأشجار، تخبئ تنوعاً لا مثيل له".

وهنا، تكمن المفارقة العلمية التي تسعى الجمعية لتصحيحها: كلّما ارتفعنا أكثر، وزادت قساوة المناخ، زاد الغنى النباتي النوعي.
أكثر من نصف نباتات لبنان
على أعلى نقطة في عكار، وقف خالد طالب، أحد المرشدين المحليين في عكار، مشيراً إلى المشهد أمامه: جبل المكمل من جهة، وادي جهنم من جهة أخرى، ثم البحر، سوريا، والهرمل.
وقال: "عكار موجودة عند تقاطع جغرافي رائع، وهذا ما أعطاها مناخاً متنوعاً جداً، وجعل منها نقطة ساخنة للتنوع على مستوى لبنان"، مضيفاً: "من أصل حوالى 2700 نوع من النباتات في لبنان، أكثر من نصفها موجود في عكار. وهذا رقم مبني على عمل ميداني حقيقي وليس تخمينًا".
اقتصاد محلي
بعيداً عن عدسات المصورين، ينعكس هذا العمل البيئي أيضاً على المجتمع. فمع كل رحلة تُنظّم، تتحرك عجلة اقتصادية صغيرة: مرشدون يحصلون على دخل، نساء يبعن منتجات محلية، سائقون ينقلون الزوّار، وأصحاب بيوت ضيافة يستقبلونهم.
هذه الدورة الصغيرة، على رغم بساطتها، تشكّل نموذجاً حقيقياً للاقتصاد المحلي المستدام، وتقدّم بديلاً واقعياً عن مشاريع استنزافية أو موسمية لا تعود بالنفع على الناس.

السياحة البيئية في عكار ليست مشروعاً نخبوياً، ولا ترفاً أكاديمياً. هي وسيلة واقعية لبناء علاقة جديدة بين الإنسان والطبيعة، علاقة قائمة على الفهم، والاحترام، والتوازن. ومن هنا أهمية مواجهة التحديات البيئية الخطيرة، كالحرائق والتعديات على الأحراج، وفتح الطرقات العشوائية.
وفي منطقة مثل عكار، حيث الموارد قليلة، والفرص محدودة، تصبح حماية الطبيعة واكتشافها طريقاً للتنمية، وفرصة لخلق مستقبل مختلف.
ربما لن تعنيك أسماء النباتات، ولا تهمك الفروقات بين اللزاب والدفران. لكن حينما تقف على قمة جبل وتشعر بالهواء يصفع وجهك من دون شوائب، وتضع يدك على ورقة نبتة لا تنمو إلا هنا، وتسمع من مرشدك قصة ارتباط الإنسان بهذه الأرض، حينها فقط تدرك أن ما في عكار ليس فقط مشهداً جميلاً... بل وطنٌ آخر، خفي، نقي، يحتاج إلى من يحبّه ويحميه.
نبض