26-06-2023 | 16:17

وقود الحديد... ثورة في الطّاقة المتجدّدة؟

قد نكون أمام "عصرٍ حديديّ" جديد
وقود الحديد... ثورة في الطّاقة المتجدّدة؟
Smaller Bigger

لعب معدن الحديد دوراً بارزاً في التاريخ واستُخدم لتوصيف أحد العصور القديمة. بدأ الإنسان في بعض أنحاء الشرق الأوسط يتخلّى عن استخدام البرونز، خصوصاً على مستوى صناعة الأسلحة، لصالح استخدام الحديد بدءاً من القرن الثاني عشر قبل الميلاد تقريباً. الآن، ربّما يلعب المعدن نفسه دوراً جديداً في تاريخ البشريّة وهي تحاول الانتقال من الطاقة الملوّثة إلى الطاقة المتجدّدة. إذا صحّت التوقّعات فقد نكون أمام "عصرٍ حديديّ" ثانٍ بحسب البعض. ويبدو بحسب مجلّة "سبكتروم" الصادرة عن "معهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيّات" أنّ الأنباء إيجابيّة وواعدة:

 

بحلول نهاية شهر حزيران (يونيو) الحاليّ، سيتمّ تشغيل مصنع كبير يحرق وقود الحديد بقدرة 1 ميغاواط لإنتاج الحرارة اللازمة من أجل تخمير البيرة في مصنع الجعة "سوينكلز" بالقرب من أيندهوفن الهولنديّة. إنّه اختبار سيستمرّ لأشهر عدّة. المصنع المسمى "أيرون بلاس" هو مشروع مشترك بين ثلاث شركات يستند إلى التكنولوجيا التي تمّ عرضها لأوّل مرّة كنظام بقوّة 100 كيلوواط سنة 2020 من قبل مجموعة "ميتال باور كونسورسيوم" التي تضمّ جامعة أيندهوفن للتكنولوجيا وشركة "ميتالوت" الناشئة التي انبثقت عن الجامعة نفسها.

 

إنّ الانصهار على درجة حرارة مرتفعة يجعل المعادن مكوّنات مفيدة للآلات والإلكترونيّات والأفران. لكن حتى المعادن يمكن أن تحترق إذا تمّ طحنها إلى مساحيق دقيقة. علاوة على ذلك، يمكن للمعادن أن تحترق من دون ضخّ انبعاثات سامّة أو دفيئة ممّا يجعلها وقوداً محتملاً جذّاباً لإنتاج طاقة نظيفة؛ وقود يمكن تخزينه ونقله بسهولة.

 

أثبتت مؤخراً شركة تكنولوجيا وقود الحديد المتجدّد "ريفت"، وهي شركة فرعيّة أخرى لجامعة أيندهوفن، أنّها تستطيع تدفئة خمسة منازل باستخدام تقنية وقود الحديد الخاصّة بها. في غضون ذلك، قامت شركة "ألتيرو إنرجي" الناشئة التي أطلقها باحثون من جامعة ماكجيل في كندا بتشغيل نموذج أوّليّ لمحطّة وقود حديديّة بقدرة 10 كيلوواط وهم يخطّطون الآن لتوسيع نطاقها.

 

خصائص

يعدّ مسحوق الحديد بديلاً مثاليّاً عن وقود الكربون، كما يقول جيف بيرغثورسون، أستاذ الهندسة الميكانيكيّة في ماكجيل وكبير المستشارين العلميّين لشركة "ألتيرو". طوّر بيرغثورسون وزملاؤه في وكالة الفضاء الأوروبّيّة ووكالة الفضاء الكنديّة مفهوم الوقود المعدنيّ ونشروا تقريرهم في مجلة "أبلايد إنرجي" سنة 2015.

 
 

الحديد هو أحد أكثر المعادن وفرة على وجه الأرض وأوسعها إنتاجاً. تبلغ كثافة طاقته نحو 11.3 كيلوواط/ساعة لكل ليتر، وهو بذلك أفضل من البنزين. ينتج حرق مسحوق الحديد حرارة يمكن استخدامها مباشرة أو تحويلها إلى كهرباء بواسطة التوربينات البخاريّة، مخلّفاً أكسيد الحديد أو الصدأ. يمكن تقليل هذا لاحقاً، أي يمكن تجريده من الأكسجين، وإعادته إلى مسحوق حديد. يقول بيرغثورسون: "يمكنك التفكير في وقود الحديد على أنّه فحم نظيف وقابل لإعادة التدوير".

 

تشابه واختلاف مع الهيدروجين

يمكن أيضاً اختزال أكسيد الحديد إلى حديد باستخدام الهيدروجين. الهيدروجين هو وقود أخضر خالٍ من الكربون إذا تمّ إنتاجه عن طريق تحليل المياه باستخدام الكهرباء المتجددة. ولكنّه أيضاً غاز ضخم وخفيف الوزن، لذلك يجب تحويله باستخدام ضغوط عالية وبرودة شديدة إلى سائل، ثم ينبغي تخزينه ونقله في حاويات خاصّة. على النقيض من ذلك، يتمّ نقل الحديد في حاويات جافّة بتكلفة أقل.

 

لذلك، وفي حين أنّ الهيدروجين والمعادن هي وسيلة لتخزين الطاقة، يكون استخدام المعادن أكثر منطقية كما يقول بيرغثورسون. تشير التقييمات الفنّيّة التي أجرتها شركة "ميتالوت" وجامعة دارمشتات التقنية الألمانية إلى أنّ "إنتاج الحديد من غاز الهيدروجين أكثر كفاءة من إنتاج الهيدروجين السائل. إذاً، إنّ مسحوق الحديد كوقود أغلى من الهيدروجين الغازيّ ولكنّه أرخص في إنتاجه ونقله عبر المحيطات من الهيدروجين السائل".

 

هل من عوائق؟

لا يعني ما ذُكر أنْ ليس لوقود الحديد تحدّياته الخاصّة. هو لا يشتعل بسهولة مثل الوقود الهيدروكربونيّ وسرعة شعلته أبطأ ممّا يجعله غير مستقرّ وأكثر عرضة للانطفاء. تتغلّب "ألتيرو" على هذه المشكلة عن طريق إضافة القليل من الغاز الطبيعيّ لإشعال مسحوق الحديد عند بدء تشغيل المرجل لأوّل مرّة. يقول بيرغثورسون إنّهم توصلوا أيضاً إلى تقنية لتثبيت الشعلة بحيث تحترق لفترات طويلة بدون أن تنطفئ.

 
 

كما يُعدّ جمع أكسيد الحديد أمراً صعباً. تضمن تقنية "ألتيرو" تكوين جزيئات أكسيد الحديد التي تكون كبيرة بما يكفي لالتقاطها بسهولة "عبر استخدام (أجهزة) الأعاصير (لضخّ الهواء المتّسخ حلزونيّاً) وطرق أخرى من دون الحاجة إلى معدّات عالية التقنية أو باهظة الثمن"، كما يقول بيرغثورسون. يتبخّر بعض مسحوق الحديد حتماً لتكوين جزيئات أكسيد الحديد النانويّة التي لا يمكن جمعها وإعادتها إلى الحديد. لقد توصلت كلّ من "ألتيرا" و"آيرون بلاس" إلى طرق لتقليل تكوين الجسيمات النانويّة من أجل تقليل فقدان المعادن.

 

يقول فيليب دي غوي، أستاذ الهندسة الميكانيكيّة في أيندهوفن وأحد مؤسسي "ميتالوت" و"ريفت": "لقد قمنا بتحسين المرجل من خلال زيادة كفاءة نقل الحرارة". وأضاف: "تمّ تقليل تبخّر مسحوق الحديد المؤدّي إلى انبعاثات الجسيمات النانويّة بعشر مرّات، لذلك هو أقلّ من 0.3 في المئة. لا تنبعث الجسيمات النانويّة في الغلاف الجوّيّ وإنّما يتم التقاطها في مَرشَح ‘هيبا‘ (اختصار لهواء جسميات عالي الفاعليّة)". يقول دي غوي إنّ الخطوة التالية لوقود الحديد هي زيادة كفاءة تحويل الحديد إلى أكسيد الحديد بالنظر إلى أنّ بعض الحديد لا يتمّ تحويله بالكامل. ثمّ هناك عقبات في السوق يجب تخطّيها مثل زيادة إنتاج مسحوق الحديد وخفض تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر.

 

ماذا لو تمّ حلّ هذه المشاكل؟

إذا كان من الممكن التغلّب على هذه المشاكل فسيكون بالإمكان استخدام الكهرباء المتجدّدة لإنتاج الحديد، وتخزينه طالما اقتضى الأمر، كما نقلُه وحرقه للحصول على الطاقة عند الحاجة بحسب ما يقول بيرغثورسون. "يمكن للأماكن التي تحتوي على طاقة زائدة أن تصنع الحديد، كما يمكن للآخرين شراؤه. بهذه الطريقة، أنتم قادرون على تحويل الطاقة المتجدّدة إلى سلعة بحيث يمكن توزيعها عالميّاً من دون الحاجة إلى خطوط نقل. يمكن للمعادن أن تحلّ مشكلة كبيرة في التحوّل إلى الطاقة المتجددة: التخزين الطويل الأمد للطاقة".

 

إعداد – جورج عيسى

 

الأكثر قراءة

النهار تتحقق 6/13/2026 11:43:00 AM
تظهر المشاهد شاباً وهو يتسلَق برشاقة منحدراً وعراً، متدلياً عليه بيد واحدة.
النهار تتحقق 6/13/2026 2:08:00 PM
كيف علّق مصدر أمني لـ"النهار" على هذه الأخبار المتداوَلة؟
طبخ 6/12/2026 11:22:00 AM

قصة "محروك إصبعه" التي تعكس تجارب الفقر والصعوبات التي عاشها كاظم الساهر في طفولته.

رياضة 6/4/2026 1:31:00 AM
فازت إيطاليا على لوكسمبورغ 1-0 في مباراة ودية، حيث سجل إسبوزيتو الهدف الوحيد في أول ظهور للمنتخب بعد الإخفاق في التأهل لمونديال 2026