عام 1995 كان عالم الفيزياء الفلكية السويسري ديدييه كيلوز يعكف على إعداد رسالة الدكتوراه، حينذاك نجح كيلوز رفقة مشرف رسالة الدكتوراه ميشال مايور في اكتشاف أول كوكب يدور حول نجم أساسي خارج المجموعة الشمسية.
قاد هذا الاكتشاف ثورة في علم الفلك، وعرف العلماء بفضله لاحقاً آلاف الكواكب الخارجية، وبسبب هذا الاكتشاف المذهل، حصل العالمان كيلوز ومايور على جائزة نوبل عام 2019، لكن كيلوز لم يكتفِ بإنجازه الضخم، وقرر أخيراً إنشاء ما يعرف بـ"اتحاد الأصول" لاكتشاف أصل الحياة في هذا الكون الوسيع.
يشارك في تأسيس "اتحاد الأصول" جاك زوستاك، الحائز جائزة نوبل، وهو عالم الأحياء الأميركي وأستاذ علم الوراثة في كلية طب هارفارد، إلى جانب عالم الفلك ديميتار ساسيلوف، ونخبة من العلماء والباحثين.
BREAKING NEWS:The 2019 #NobelPrize in Physics has been awarded with one half to James Peebles “for theoretical discoveries in physical cosmology” and the other half jointly to Michel Mayor and Didier Queloz “for the discovery of an exoplanet orbiting a solar-type star.” pic.twitter.com/BwwMTwtRFv— The Nobel Prize (@NobelPrize) October 8, 2019
قصّة "اتحاد الأصول"
في أول حديث لوسيلة إعلامية عربية بشأن المشروع الجديد، تحدّث عالم نوبل إلى "النهار العربي" عن ماهية مشروع "اتحاد الأصول" الذي يستهدف إجراء بحوث معمقة في أرفع المؤسسات البحثية، سعياً نحو إماطة اللثام عن أسرار الكون، ومعرفة أصل الحياة.
يقول كيلوز إنّ "اتحاد الأصول" الذي دُشّن أخيراً بُني على علاقات جماعية طويلة الأمد بين أربع مؤسسات علمية، هي: المعهد الفيدرالي للتكنولوجيا في زيورخ، وجامعات: كامبريدج، وهارفرد، وشيكاغو، مشيراً إلى أنّ "هذه الشراكة عُززت من خلال تعاون مشترك مع مؤسسة سيمونز".
و"سيمونز" هي مؤسسة أميركية خاصة تأسست عام 1994، باعتبارها واحدة من أكبر المنظمات الخيرية في الولايات المتحدة، قُدّرت أصولها بأكثر من 5 مليارات دولار في عام 2021، وتتمثل مهمة المؤسسة في تطوير البحوث في مجالات الرياضيات والعلوم الأساسية.
Launch of the origins federation @AAASmeetings pic.twitter.com/RJoDYVLMdT
— Didier Queloz (@DidierQueloz) March 4, 2023
وبحسب كيلوز، "طوّر الباحثون والعلماء المشاركون، بالتعاون مع مؤسسة سيمونز العديد من المبادرات في مؤسساتهم الخاصة، لتعزيز البحث عن أصول الحياة في الكون، ونتطلع في البناء على تعاوننا العلمي الدولي المتعدد التخصصات".
فتّش عن البيانات!
قبل نحو ثلاثين عاماً، اكتشف العلماء أكثر من 5000 من الكواكب الخارجية، وهي الكواكب التي تدور حول نجم خارج نظامنا الشمسي، مع توقع وجود تريليونات أخرى في مجرة درب التبانة وحدها.

يرى كيلوز أن البيانات تعدّ لاعباً أساسياً في اكتشاف أصل الحياة
في ظل هذه الاكتشافات المثيرة، يبقى أكثر الأسئلة إلحاحاً: هل ثمَّة حياة على كواكب أخرى؟ هنا يتصدى ديدييه كيلوز للإجابة عن التساؤل، إذ يقول: "نتوقع أن يكون العلم قادراً في المستقبل على تزويد البشرية بفهم أكثر عمقاً حيال سبب وجود الحياة على الأرض، وما إذا كان من الممكن أن توجد الحياة (في شكل جزيئي ما) في مكان آخر من الكون".
ويتابع: "جهود العلماء من مختلف التخصصات في مشروع مشترك، تسرّع من وتيرة فهمنا، وتقدم وجهات نظر متنوعة تضع نتائجنا في سياق جديد. في هذا الإطار يعمل "اتحاد الأصول" كشبكة تربط الباحثين في مجموعة واسعة من العلوم الأساسية، مثل الكيمياء، والأحياء، والعلوم البيئية، والفيزياء وما إلى ذلك".
ويرى كيلوز في مشروعه تعزيزاً للعمل المشترك الذي من شأنه فتح أبواب الأوساط الأكاديمية، وإزالة الحواجز في ما بينها، وتأسيس إطار يمكن فيه للأجيال المقبلة من العلماء الاستمرار في توسيع فهم البشرية لأصول الحياة في الكون.
ويؤكد عالم نوبل أنّ اللاعب الأساسي في المشروع هو البيانات، ويقول: "من خلال الملاحظات التي نتلقاها من تلسكوب جيمس ويب الفضائي، بالإضافة إلى البعثات الحالية والمستقبلية إلى المريخ والقمر، نقوم بجمع البيانات التي تساعد العلماء على استكشاف كيف ولماذا توجد الحياة على الأرض؟ وما هي أنواع العمليات الفيزيائية أو الكيميائية، والظروف البيئية المطلوبة لاستضافة الحياة؟".

يوفر تلسكوب جيمس ويب بيانات تساعد العلماء في جهودهم
أصل الحياة
علم الحفريات واحد من بين العلوم التي تتقاطع مع جهود السعي نحو معرفة أصل الحياة، وهو ما تعززه جهود إميلي ميتشل، أستاذة علم الحيوان، والمديرة المشاركة في "مركز ليفرهولم للحياة في الكون" في جامعة كامبريدج، وهو المركز الذي يديره كيلوز.
ميتشل التي تمثل جامعة كامبريدج في مشروع "اتحاد الأصول" تقول لـ"النهار العربي" إنّ "العنصر المهم في هذا المشروع، هو إنشاء نظام ممتد، يمنح فرصاً للعلماء الشباب، لتأسيس أنفسهم في هذا المجال".
أحد أهداف ميتشل الرئيسية في مهمتها هو اكتشاف أصول البصمات الحيوية في الحفريات القديمة في أعماق البحار، ربما تقدم فهماً جديداً للبصمات الحيوية التي تكتشف في الفضاء، مثل كميات كبيرة من الأوكسجين في الغلاف الجوي للكواكب الخارجية، أو الحفريات الموجودة في عينات صخور المريخ.

تسعى ميتشل لاكتشاف أصول الحياة في الحفريات القديمة بأعماق البحار
وتعرف البصمات الحيوية بكونها علامات مهمة يمكننا اكتشافها خارج الأرض، ويمكن أن تقدم دليلاً على وجود الحياة في الفضاء الخارجي، كونها لا تنتج إلا من عمليات حيوية.
تقول ميتشل: "تعتمد أبحاثي على سجل الحفريات لفهم ظهور الحيوانات وتطورها المبكر. لدينا تاريخ ثري رائع للحياة على الأرض من خلال سجلها الأحفوري، وبالتالي من خلال النظر إلى أنماط الحفريات يمكننا تحديد أنماط تطور الحياة على الأرض".
تطور الحياة المعقدة
تركّز بحوث إميلي ميتشل على الحيوانات الأولى التي عُثر عليها خلال فترة الإدياكاران، قبل 600 مليون سنة. تقول: "لقد حدَّدت أنا ومجموعتي مجتمعات كاملة من الكائنات الأحفورية عن طريق المسح بالليزر للأسطح الصخرية التي غطتها، ثم نستخدم الأساليب البيئية الكمية لتحديد القوى الدافعة وراء تطورها".

تبحث إميلي عن أصل الحياة في حفريات تعود لأكثر من 600 مليون سنة
يمثل عصر الإدياكاري نهاية دهر الطلائع (زمن ظهور الأوكسجين في الغلاف الجوي للأرض)، وبداية دهر البشائر الذي ظهرت فيه الحياة المركبة للمرة الأولى. ويبدأ في الوقت الذي ظهرت فيه الحيوانات القشرية (الأصداف) للمرة الأولى.
تعود أستاذة علم الحفريات لتشرح أهمية الأحافير التي تعود إلى فترة العصر الإدياكاري، منذ حوالي 600 مليون سنة، فتقول إنها "تتضمن أول حيوانات وجدت على الأرض على الإطلاق، لذلك إذا أردنا أن نفهم كيف ولماذا تطورت الحياة المعقدة، فإن أحافير إدياكاران هي أفضل نقطة انطلاق".
خلال عصر الإدياكاران، طورت الحيوانات بعضاً من أهم سماتها: حجم الجسم الكبير، وتمايز الأنسجة، والتنقل، والتماثل الثنائي، وهندسة النظام البيئي (بناء الشعاب المرجانية).
تقول ميتشل إنّ "دراسة كائنات الإدياكاران محفوفة بالصعوبات، بسبب المخططات الفريدة لأجسامها، لا سيَّما أنه ليس لديها نظائر حديثة واضحة. لكن لحسن الحظ، حُفظت أحافير الإدياكاران جيداً للغاية تحت الرماد البركاني".

إحدى حفريات عصر إدياكاران
من هذا المنطلق، فإنّ الحفريات يمكن أن تُلخص تاريخ حياة الحيوانات بالكامل: كيف تتكاثر؟ وكيف تتفاعل بعضها مع بعض وبيئتها؟ على هذا النحو، توفر الإحصاءات البيئية نهجاً جديداً للتحقيق في القضايا الأساسية في التطور الحيواني المبكر.
خلايا اصطناعية
في وقت تظل الخلايا البيولوجية المعقدة عصية على الفهم الكامل، فإن الخلايا الاصطناعية تسمح لعلماء الكيمياء الحيوية، مثل كيت آدمالا، من مختبر البروتوبيولوجيا بجامعة مينيسوتا، بتفكيك الأنظمة المعقدة إلى أجزاء أبسط، وهي الأجزاء التي تسمح للعلماء بفهم المبادئ الأساسية للحياة والتطور، ليس فقط على الأرض، ولكن أيضاً الحياة المحتملة على الكواكب الأخرى في النظام الشمسي.
آدمالا واحدة من علماء "اتحاد الأصول"، إذ تستهدف بناء حياة جديدة من الصفر، وهو المسعى الذي أطلقته عندما كانت طالبة دراسات عليا في جامعة هارفرد تحت إشراف جاك زوستاك الحائز جائزة نوبل.
وفي سياق مشروع "اتحاد الأصول" تسعى آدمالا لإنشاء مفاعلات حيوية بسيطة تشبه الخلايا، لتضاهي أقدم أشكال الحياة، من خلال تطبيق مبادئ الهندسة على علم الأحياء، وهو ما قد يسمح للعلماء بدراسة ماضي الحياة في الكون وحاضرها ومستقبلها، على ما تعتقد كيت آدمالا.
Exciting applications of synthetic cells in the presentation by Kate Adamala @KateAdamala of the University of Minnesota at the International Synthetic Biology Workshop @synbiocentre @TUDarmstadt. #synbio #buildacell #astrobiology pic.twitter.com/dcm0dhXzTb
— Centre for Synthetic Biology @TUDarmstadt (@synbiocentre) March 21, 2023
فائدة مذهلة يمكن أن تحققها الخلايا الاصطناعية، إذ من الممكن رقمنتها ونقلها عبر مسافات شاسعة لتصنيع دواء أو لقاحات عند الطلب، لتصبح مثل "صيدلية فلكية" يمكنها دعم الحياة على متن سفينة الفضاء، أو حتى مستعمرة مريخية في المستقبل، وهو ما لا تستطيع الخلايا البيولوجية تقديمه.
كما يمكن للخلايا الاصطناعية تقديم تطبيقات عملية للبشرية على سطح كوكبنا، حيث تسهم في تطوير أنظمة الطاقة المستدامة، وزيادة غلة المحاصيل، والعلاجات الطبية الحيوية.

توفر الخلايا الاصطناعية فوائد مذهلة
في الأخير، يعول المجتمع العلمي اليوم على مشروع "اتحاد الأصول"، حيث تتضافر الجهود، وتلتقي كل الطرق في طريق واحد رئيسي، يستهدف الوصول إلى أصل الحياة الأولى على كوكب الأرض، وبالتبعية في الفضاء الخارجي، لربما تقدم هذه الجهود إجابة مرضية عن السؤال المحفوف دوماً بالشغف والفضول: هل ثمة حياة بعيداً من كوكب الأرض؟
نبض