الانطلاقة كانت سيّئة. الصور الأولى التي انتشرت عن المعارك لم تحمل أخباراً إيجابيّة بالنسبة إلى المواطنين الأوكرانيّين: دبّابات "ليوبارد" وناقلات "برادلي" ومركبات أخرى مدمّرة في بلدة روبوتينه الواقعة في مقاطعة زابوريجيا. الهجوم المضادّ الذي انتظره العالم أشهراً طويلة اصطدم بـ"انتكاسة" ميدانيّة. نجمت الانتكاسة عن عاملين بالحدّ الأدنى.
الأوّل هو أنّه مقابل الصور التي نشرتها الحسابات الموالية للروس على مواقع التواصل الاجتماعيّ، لاذ الجيش الأوكرانيّ بالصمت وكان صارماً في عدم نقل أيّ صورة عن المعارك. بالتالي، كان الفضاء الإعلاميّ منحازاً لمصلحة الروس.
As stated in this Post, 3 of the Losses of Armor in these Photos have already been counted, including 1 Leopard 2A6, 1 M2A2 Bradley, and 1 YPR-765; although the 3 Leopard 2Rs, Bergepanzer 2 ARV, and 1 Leopard 2A6 are “Newly Seen” but they were likely Destroyed/Abandoned alongside… https://t.co/Z4j73CqG0x
— OSINTdefender (@sentdefender) June 11, 2023
الثاني والأهمّ هو عدم فهم صعوبة قيادة أيّ جيش، لا فقط الجيش الأوكرانيّ، عمليّات الأسلحة المشتركة. كمثل على ذلك، يمكن قراءة ما قاله الجنرال الأميركيّ المتقاعد ديفيد بترايوس لصحيفة "واشنطن بوست" الأميركيّة: ستحتاج الدبابات إلى التقدّم مع المشاة لمنع الروس من استخدام الصواريخ المضادّة للدروع، وسيحتاج المهندسون لاختراق الألغام والعوائق، والمدفعيّة والمورتر لإجبار الروس على خفض رؤوسهم داخل الخنادق، وستكون أنظمة الدفاع الجوّي بحاجة إلى التقدّم مع الدبّابات والعربات المدرّعة لمنع المقاتلات الروسيّة من دعم المدافعين الروس. ولا ينتهي الأمر هنا. على الأنظمة الإلكترونية تشويش شبكات الاتّصال الروسيّة وعلى المسيّرات العثور على المقارّ الروسيّة وقوات الاحتياط لاستهدافها بالقذائف الدقيقة، كما سيتوجّب على مسؤولي الشؤون اللوجستيّة إمداد المقاتلين بالذخيرة والغذاء والطعام والصيانة والإمداد الطبّي. وقارن تنسيق هذه العمليّات بتنسيق "سيمفونيّة أوركسترا".
لإعطاء صورة أوضح عن صعوبة هذه العمليّة، غرّد الخبير في الشؤون العسكريّة فرانز ستيفان-غادي كاتباً: "باستثناء الولايات المتحدة، لا يستطيع أيّ جيش ذي نمط غربيّ قيادة عمليّات أسلحة مشتركة مستدامة على نطاق (واسع). لذلك، تحاول القوات الأوكرانيّة فعل شيء على المستوى التكتيكيّ لا يستطيع أيّ عضو أوروبّي أطلسيّ آخر القيام به". وأضاف أنّ أوكرانيا تشنّ هذه العمليّة من دون غطاء جوّي، وهو أمر لا يستطيع أيّ جيش غربيّ، بما فيه الجيش الأميركيّ، قيادته.
علاوة على ذلك، رأى البعض أنّ الدبّابات والمدرّعات الغربيّة المحطّمة حقّقت أحد أهدافها على الأقلّ: حماية غالبيّة المقاتلين داخلها عند تعرّضها للقصف. يمكن التأكّد من ذلك إلى حدّ بعيد من خلال عدم تعرّضها للاحتراق أو التدمير. وثمّة معلومات عن تمكّن الأوكرانيّين من استرجاع بعضها للصيانة.
بالرغم من أنّ الصور الأولى كانت مطمئنة مبدئياً للروس، حذّر بعضهم من المبالغة في الاحتفال. يفترض أحدهم أنّ مجموع خسائر دبّابات "ليوبارد" الألمانيّة المدمّرة هو ثمان لا ثلاث دبابات كما أفادت الصور الأوّليّة، لا يمثّل هذا الرقم سوى 12 في المئة من إجمالي دبابات "ليوبارد" التي حصلت عليها أوكرانيا، وهذا من دون ذكر الدبابات الأخرى. حتى 11 حزيران، وصلت خسائر أوكرانيا تقريباً إلى نحو 4 دبابات "ليوبارد" و16 عربة مصفّحة من طراز "برادلي".
Russian propagandists Mardan and Alexandr Arutyunov discuss the progress of the counter-offensive. pic.twitter.com/eNagypjEcR
— Anton Gerashchenko (@Gerashchenko_en) June 11, 2023
بالنسبة إلى بترايوس وآخرين كانت هذه الخسائر حتميّة وهو على أيّ حال توقّع أن تحدث في بداية القتال، مشيراً إلى أنّ الهجوم المضاد سيتدرّج من الصعب إلى الأقلّ صعوبة. بالفعل، مع مرور الوقت، بدأت أوكرانيا تفرج تدريجياً عن بعض الصور التي أظهرت رفع جنودها العلم الأوكرانيّ في عدد من البلدات التي احتلّتها روسيا سابقاً مثل بلاهوداتنه ونسكوشنه وماكاريفكا وستوروجيفه وليفادنه بين دونيتسك وزابوريجيا. وقد ينسحب الروس من بلدات أخرى في الجنوب وأهمّها يوروجين. لكنّ محلّلين حذّروا من أنّ الخط الدفاعي الأساسيّ للروس يقع على بعد 10 كيلومتر جنوب يوروجين.
مع ذلك، لا تزال المساحات التي استردّتها أوكرانيا معبّرة من ناحية معيّنة. استعادت كييف في 36 ساعة نحو 100 كيلومتر مربّع من الأراضي. مع التشديد على أهمّية أخذ بالاعتبار الفارق في التحصينات وطبيعة الميدان، يمكن لفت النظر إلى أنّ روسيا سيطرت على نحو 70 كيلومتراً مربّعاً فقط من الأراضي طوال شهر آذار (مارس) 2023. بالرغم من ذلك، لا تزال القوات الأوكرانية بعيدة نحو 90 كيلومتراً عن ساحل بحر آزوف.
⚡️Russian sources report that although the situation is unclear, Rivnopol has most likely fallen under Ukrainian control after a partial Russian withdrawal from the Vremievsky ledge. pic.twitter.com/cpzWUTsJIo
— War Monitor (@WarMonitors) June 12, 2023
إلى الآن، يبدو الهجوم موزّعاً على ثلاثة إلى أربعة قطاعات: باخموت (دونيتسك) حيث لا تزال أوكرانيا تحرز تقدّماً حول أجنحة المدينة التي سيطر عليها الروس الشهر الماضي؛ فيليكا نوفوسيلكا القريبة من فوليدار التي تعرّض فيها الروس لانتكاسات كبيرة خلال هجوم الشتاء (دونيتسك)؛ أوريخيف (زابوريجيا) حيث تكبّدت أوكرانيا خسائر ملحوظة في عتادها والتي يبدو أنّ الهدف الأوّلي فيها ضرب مدينة توكماك اللوجستيّة. علماً أنّ الهجوم في تلك المنطقة يتحقّق على خطّين. وهناك أيضاً هجوم على خطّ رابع شمالاً في إقليم لوغانسك.
هذا مع الإشارة إلى أنّ الهجمات الأخيرة لا تعني بالضرورة فتح محور خاصّ للتقدّم على طول الطريق باتجاه الساحل. على الأرجح، لا تزال أوكرانيا في طور التحقّق من الدفاعات الروسيّة أو حتى جذب مقاتلين روس من مناطق أخرى لإضعاف خطوطهم. وبرز الثلثاء الماضي خبر تفجير سدّ نوفا كاخوفكا الذي تعتقد الاستخبارات الغربيّة أنّ روسيا تقف خلفه من أجل إبطاء تقدّم أوكرانيا في مناطق الفيضانات، وبالتالي نقل قوّاتها أكثر باتجاه الشمال.
قد يتوقّف الهجوم الأوكرانيّ المضادّ خلال هذا الأسبوع بفعل الأمطار الغزيرة المتوقّعة في منطقة العمليّات. لغاية اليوم، لا يزال الغموض مسيطراً على مسار الهجوم المضادّ وأماكن تركّزه. يتّفق المراقبون العسكريّون على استحالة معرفة هويّة الفائز والخاسر في الأسبوع الأوّل من العمليّات. يضاف إلى ذلك أنّ الروس والأوكرانيّين لمّا ينشروا بعد الجزء الأكبر من قوّاتهم القتاليّة.

بسبب الانسحاب السريع من خاركيف وخيرسون في الصيف والخريف الماضيين، ربّما توقّع بعض الغربيّين أن تحقّق أوكرانيا تقدّماً سريعاً مشابهاً على أحد المحاور. لكنّ تبلور انتصارات كاسحة مجدّداً أمر عسير التحقّق هذه المرّة. فالروس أكثر استعداداً وتحصيناً بعد تعزيزهم عدداً من خطوط الدفاع المتوازية التي ستصعّب مهمّة الأوكرانيّين المفتقرين أيضاً إلى الإسناد الجوّيّ.
مع ذلك، أثبت الأوكرانيّون أنّهم سريعو التعلّم والتكيّف. على سبيل المثال، توقّع الأميركيّون أن يستغرق تدريبهم على مقاتلات أف-16 نحو 18 شهراً قبل أن يعدّلوا تقييمهم أخيراً إلى نحو أربعة أشهر. سيستخدم الأوكرانيّون سرعة التعلّم ومرونتهم الابتكاريّة للتعويض أو لمحاولة التعويض عن افتقارهم إلى الغطاء الجوّي كما لتفضيل الحرب المدافعين على المهاجمين. سواء سينجح ذلك أم لا أمر مرهون بالمستقبل. لكنّ المؤشّرات مشجّعة بالنسبة إلى عدد من الخبراء العسكريّين الغربيّين، وبترايوس في طليعتهم. لقد عاد "متفائلاً" من زيارة حديثة لكييف: "الأوكرانيّون... سيحقّقون أكثر بكثير ممّا يتوقعه معظم المحلّلين".
نبض