في عام 2020 كتب الصحافي مروان (اسم مستعار) خبراً على أحد المواقع الإلكترونية المتخصّصة، تناول فيه حقوق العمال في إحدى الشركات الخاصة في الأردن، ليتفاجأ بعد فترة قليلة باستدعائه من وحدة الجرائم الإلكترونية.
من حظ مروان أنّ المدّعي العام أدرج القضية ضمن خانة المطبوعات والنشر، لتستمر بعدها رحلة عامين في أروقة المحاكم انتهت بتبرئته، لكن تداعياتها لم تنتهِ في مسيرته المهنية، إذ طغى عليها الخوف من النشر والنقد.
حظ مروان لم يرافق كل صحافيي الأردن الذين مارسوا عملهم الطبيعي في كشف الحقائق، فبعد صدور قانون الجرائم الإلكترونية عام 2015 اعتُقل المئات بسبب ما ينصّ عليه من رقابة، وفق بيان صادر عن مركز "حماية وحرّية الصحافيين" دعا مجلس الأمة لمراجعة جديّة لمشروع قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2023.
قانون الجرائم الإلكترونية 2015 وضع قيوداً إضافية على الصحافيين وعلى عموم الأفراد ونشطاء الرأي ومستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً في المادة 11 منه التي تنصّ على تغريم وحبس كل من ينشر أو يُعيد نشر معلومات تنطوي على الذمّ أو القدح؛ مـا يُعدّ عقوبة مسبقة، ويقيّد حرّية التعبير ويفرض رقابة ذاتية على العمل الصحافي. وبحسب ما يقول مركز "حماية وحرّية الصحافيين" فإنّ نسبة الرقابة الذاتية عند الصحافيين تزيد عن 90%.
على وقع هذه القضية وغيرها من الأزمات التي واجهت الأردن في الأعوام السابقة، حلّ الأردن في شهر أيار (مايو) الماضي في المرتبة 146 في مؤشر حرّية الصحافة العالمي، الصادر عن منظمة "مراسلون بلا حدود" في تصنيفها السنوي لحرّية الصحافة، من بين 180 دولة يشملها التصنيف.

مؤشر حرّية الصحافة في العام المقبل لا يشجّع على التفاؤل، فقد طُرح قبل أيام قليلة مشروع قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2023 ووصفه خبراء بـ"قانون يجرّم الوسيلة وليس الفعل"، وأنّه يستخدم مصطلحات فضفاضة قد يؤدي استخدامها لمنع التعبير عن الرأي.
وكان مجلس النواب الأردني أدرج مطلع الأسبوع الماضي مشروع قانون الجرائم الإلكترونية لسنة 2023 في جدول أعمال أولى جلساته الاستثنائية، بعدما أقرّه مجلس الوزراء وأحاله على البرلمان، حيث ناقشته اللجنة القانونية في المجلس، على أن يناقشه مجلس النواب كاملاً اليوم الخميس.
قيود على الإنترنت
يصف المدير التنفيذي لـ"الجمعية الأردنية للمصدر المفتوح" عيسى محاسنة مشروع القانون بأنّه يجرّم الوسيلة وليس الفعل؛ أي أنّه يسعى إلى إضافة قيود على استخدام الإنترنت.
ويرى أنّ مشروع القانون يقيّد حرّية التعبير للمجتمع كاملاً وليس فقط للأفراد، بخاصة أنّه يتيح لهيئة تنظيم قطاع الاتصالات اتخاذ تدابير تقييدية على مواقع التواصل الاجتماعي التي لا تلتزم إنشاء مكتب لها داخل الأردن، ومن ضمن هذه التدابير تقليل عرض نطاق تردّد حركة الإنترنت على التطبيق غير الملتزم قرار الحكومة، كما ورد في الفقرة (ج) من المادة (37).
ينتقد المحاسنة هذه المادة ويعتبرها غير منطقية، فالشركات لن تلتزم لأسباب اقتصادية بهذا القرار، بخاصة أنّ مؤسسات التواصل الاجتماعي مثل "فايسبوك" و"تويتر" وغيرهما لديها مكتب واحد في المنطقة، غالباً يكون في دبي، بهدف تنفيذ أعمال الشركة وتسهيلها.
ويضيف المحاسنة لـ"النهار العربي"، أنّ مادة في مشروع القانون دعت الشركات إلى فتح مكتب داخل المملكة من أجل "التعامل مع الطلبات والإِشعارات الصادرة عن الجهات القضائية والرسمية"، أي أنّ القانون لا يشجّع هذه الشركات على إنشاء مكتب في الأردن من أجل التوسع أو الاستفادة.
ويتابع أنّه حتى ولو وافقت هذه الشركات على فتح مكتب لها في الأردن، فإنّ سوق الإعلانات في المملكة صغير جداً مقارنة بدول مثل تركيا التي اقتبست منها هذه المادة.
من جانب آخر، يرى المحاسنة أنّ الدولة تحاول قوننة تقييد حرّية الرأي والتعبير التي مارستها سابقاً، من خلال حجب البث المباشر على تطبيق "فايسبوك" أثناء احتجاجات عام 2018 وما بعدها، وآخرها حجب تطبيق "تيك توك" أثناء احتجاجات شهدتها مدينة معان جنوب الأردن نهاية العام الماضي.
وجاء في الفقرة (ب) من المادة 33 من مشروع القانون، أنّه وفي حال عدم الاستجابة للأوامر المنصوص عليها في المادة نفسها، "إذا اقتضت السرعة، للمدّعي العام أو المحكمة المختصة وبقرار معلّل، إصدار أمر إلى الجهات المعنية بحظر نظام المعلومات أو الموقع الإلكتروني أو منصّة التواصل الاجتماعي أو الخدمة عن الشبكة الوطنية أو حظر الوصول للمحتوى المخالف".
أكثر ما يُقلق المحاسنة في هذه الفقرة أنّ القانون أعطى الصلاحية للمدّعي العام بحجب منصّة أو تطبيق في شكل كامل عن الشبكة الوطنية، بمجرد أنّ السرعة تقتضي ذلك ومن دون أمر من المحكمة أو التحقيق في المخالفة.
كذلك، فإنّ المادة (12) من القانون والتي تُجرّم التحايل على "العنوان البروتوكولي باستخدام عنوان وهمي" أو استخدام الـ VPN وهو أقل البيانات أماناً مع إخفاء الهوية عبر الشبكات العامة، تقيّد من حق المواطنين في استخدام مثل هذه التطبيقات التي تعمل على إخفاء العنوان الرقمي للأشخاص أثناء استخدام بعض المنصّات، بحسب محاسنة.
ويلفت إلى أنّ هذه المادة تفتح المجال أمام التوسّع في تجريم الممارسات الفردية، ومن ضمنها مثلاً استخدام تطبيق "تيك توك" الذي حجبته الحكومة، وأصبح الكثير من المواطنين قادرين على الوصول إليه عن طريق الـVPN، والتي تجرّم المادة 12 استخدامه لارتكاب أي جريمة.
حركات اجتماعية رفضاً للقانون
ورفضاً لمسودة مشروع القانون، وقّع المئات من السياسيين والصحافيين والأحزاب والهيئات الاعتبارية وناشري مواقع الكترونية بياناً طالبوا فيه بسحب مشروع قانون الجرائم الإلكترونية.
واعتبر الموقّعون مشروع القانون "أنّه الأسوأ على الإطلاق، والأكثر تهديداً للحرّيات العامة والحرّيات الصحافية، وهو انتكاسة وعودة إلى الأحكام العرفية وانقلاباً على مشروع التحديث السياسي وهو خرق للدستور الأردني وانتهاك لالتزامات الأردن الدولية، الذي كان من أوائل المصادقين على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية".
ودان الموقّعون تحصين الموظف العام والمسؤولين في سلطات الدولة ومؤسساتها من نقد المواطنين عبر النص، على تحريك النيابة العامة لشكاوى الحق العام دونما حاجة إلى الادّعاء بالحق الشخصي، وهو خروج على القواعد العامة في قانون العقوبات، وتحصين لمن يمارس السلطة عن المساءلة والرقابة الشعبية، وخرق للمبدأ الدستوري "تلازم السلطة والمسؤولية"، الأمر الذي سيؤدي إلى تفشّي الفساد وتراجع مستويات النمو الاقتصادي وتدني الخدمات العامة ومتوسط الدخول بالضرورة.
فضاء مدني مقيّد
وعن ارتباط مشروع القانون بقمع الحركات الاجتماعية، تقول هديل القضاة، الباحثة في الحركات الاجتماعية الالكترونية، إنّ توجّه المجتمع المدني إلى المنصّات الرقمية خلال السنوات الأخيرة كان كفضاء بديل عن الفضاء المقيّد على أرض الواقع، والذي تسبّبت به الحكومات المتعاقبة من خلال قمع التظاهرات ومنعها والاعتقال الإداري، وقرارات حظر النشر وغيرها من الأساليب التضييقية التي مهّدت لمشروع القانون.
وتضيف القضاة لـ"النهار العربي" أنّ أنصار تمرير هذه المسودة يعتقدون أنّها "وسيلة لردّ الكلمة قبل قولها" بغية تحقيق الاستقرار، "إلاّ أنّ المُطّلع على تاريخ الحركات الاجتماعية وأسباب تصاعدها يدرك أنّه كلما كان الفضاء المدني مغلقاً وقمعياً زادت وتيرة حدّة هذه الحركات رفضاً للظلم الواقع عليها، بخاصة إذا وجدت محامي دفاع شرعياً عنها ألا وهو الدستور الأردني".
ودعت القضاة إلى إعادة النظر مرّة أخرى في مشروع القانون من عين سوسيولوجيا المجتمعات ومبادئ حقوق الإنسان المحلية والدولية.
وتشكّل بعض أحكام التعديلات المقترحة تعارضاً صريحاً مع أحكام الدستور وبخاصة المواد (15) و(128) التي تشير إلى أنّ الحرّية مصونة بالدستور الأردني، وأنّه "لا يجوز أن تؤثر القوانين التي تصدر بموجب هذا الدستور لتنظيم الحقوق والحرّيات".
حملة داخلية وانتقادات خارجية
وفي السياق أطلقت مؤسسات المجتمع المدني وأحزاب ونشطاء وصحافيون حملة إلكترونية عبر منصات التواصل الاجتماعي، ضد مشروع القانون، مطاقين هاشتاغ باسم #مشروع_قانون_الجرائم _الإلكترونية_جريمة.
وكذلك وُجّهت انتقادات حارجية لمشروع القانون، أبرزها من الولايات المتحدة، إذ قال نائب المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الأميركية فيدانت باتيل إن القانون "قد يؤدي إلى عرقلة الاستثمار المستقبلي في قطاع التكنولوجيا، ويمكن لهذا النوع من القوانين بتعريفاته ومفاهيمه الغامضة أن يقوض جهود الإصلاح الاقتصادي والسياسي المحلية في الأردن".
وأضاف أن القانون يقلص "الحيز المدني المتاح أمام عمل الصحافيين والمدونين وغيرهم من أفراد المجتمع المدني".
وأكد باتيل على أهمية "حماية حرية التعبير والحوار المفتوح والخطاب التفاعلي وتبادل المعلومات، بما في ذلك الصحافة ومنصات التواصل الاجتماعي على الانترنت من أجل تحقيق الازدهار في الدول".
وأضاف أن القانون يقلص "الحيز المدني المتاح أمام عمل الصحافيين والمدونين وغيرهم من أفراد المجتمع المدني".
وأكد باتيل على أهمية "حماية حرية التعبير والحوار المفتوح والخطاب التفاعلي وتبادل المعلومات، بما في ذلك الصحافة ومنصات التواصل الاجتماعي على الانترنت من أجل تحقيق الازدهار في الدول".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض