15-03-2024 | 07:46

التهدئة في غزة بين "فن الممكن" ونفق الخيارات المستحيلة

السؤال الذي يطرح نفسه مفتاحاً لمقاربة الواقع والمآلات المحتملة للحرب الدائرة في قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي هو، هل تكفي كبسولات الفكر السياسي وأبجديات قواعد التفاوض الدولي مرجعاً وإطاراً فلسفيا مثالياً
التهدئة في غزة بين "فن الممكن" ونفق الخيارات المستحيلة
Smaller Bigger
ليسَ ثمةَ ما هو أسهل طريقة وأسرع آليةً لتفكيك وفهم المعقّد والمركّب من الظواهر والقضايا والأحداث الكونية (على اختلاف وتنوّع الفضاءات الحاضنة لها وبخاصة الفضاء السياسي والاستراتيجي منها) من صياغة الأسئلة المناسبة التي تشكّل مفاتيح الدخول لتلك الظواهر والقضايا والأحداث. ومتى ما كانت الأسئلة مصاغةً على عين المنهج وضوء البصيرة جاءت الأجوبة على مثالها؛ إذ أنّ كل إجابةٍ عن مثال سؤالها دقةً ووعياً ووضوحاً تكون.
 
وعليه، فإنّ السؤال الذي يطرح نفسه مفتاحاً لمقاربة الواقع والمآلات المحتملة للحرب الدائرة في قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي هو، هل تكفي كبسولات الفكر السياسي وأبجديات قواعد التفاوض الدولي مرجعاً وإطاراً فلسفيا مثالياً، تنطلق منه الدول والحكومات في تعاطيها وإدارتها للوقائع والقضايا السياسية والاستراتيجية والنزاعات الدولية المختلفة؟ أم أنّ كل نوعٍ من تلك الوقائع والقضايا والأزمات والنزاعات يبتكر لنفسه إطاره الفكري الخاص الذي يشكّل منطلقاً للتعاطي معه؟
 
والسؤال نفسه يمكن توجيهه إلى الكتّاب والمحللين الذين يتصدّون لقراءة ومقاربة تلك الموضوعات والقضايا المشار إليها... وعليه، فإنّ كانت الإجابة عن ذلك السؤال بـ"نعم" واثقةٍ خالية من أدنى نكهات الشك والمواربة، فإنّ الأمر بالنسبة لإدارة الأزمة، بل الأزمات التي أفرزها "طوفان الأقصى" والتعاطي معها دبلوماسياً، يتطلّب صياغة السؤال الآتي: هل تصلح الكبسولة الفكرية الخاصة بإدارة الصراعات والقضايا الدولية والموسومة بـ"السياسة هي فن الممكن"، مرجعاً وإطاراً فلسفياً ينطلق منه المعنيون بضرورة إنهاء الحرب في غزة والبحث عن حل يضمن استقرار المنطقة وتلافي الاحتمالات التي تنتظرها جراء تسارع وتيرة التوتر وتعثر فرص السلام والحلول السياسية؟.
 
وإن كانت الإجابة عن السؤال الأخير بـ"نعم" ثانيةٍ واثقةٍ مثل سابقتها، فإنّ الأمر يقتضي أول ما يقتضي أن تبحث أطراف الأزمة كلها عن شعرة معاوية، وأن تدرك المُمكنات التي من شأنها تقريب وجهات النظر وتحقيق الحل الدبلوماسي، ومن ثم الوصول إلى صيغة تفاهم تمثل مخرجاً حقيقياً للأزمة. وعليه يتداعى السؤال الأهم في هذه المقاربة وهو، هل ثمةَ ممكنات يمكن أن تلتقي عندها أطراف الأزمة من جهةٍ، والباحثون عن حل لها من جهةٍ أخرى؟ وهنا تأتي المؤشرات التي تقطع الطريق أمام أي ممكنٍ أو أية شعرةٍ لمعاوية بالنسبة لتلك الأزمة، تلك المؤشرات الواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار والتي يمكن -على الرغم من كثرتها وتعددها وتنوعها- اختصارها في ما يأتي:
 
- إنّ ثمةَ بوْناً شاسعاً وهوةً سحيقة لا يمكن تجسيرها بين أي تحرّك دبلوماسي يسعى للتهدئة وإيقاف الحرب وفق آليات تبادل الأسرى وانسحاب الآليات الإسرائيلية والجيش إلى خارج قطاع غزة، وإدخال المعونات والدواء لسكان القطاع، وبعض الممكنات الأخرى التي قد تمليها جلسات التفاوض، وبين إصرار نِتنياهو ومؤيّديه، المقنَّع بأوراق التوت الذابلة على المُضي قدماً نحو أهدافهم العسكرية من وراء اجتياح القطاع... تلك الأهداف المتمثلة في القضاء نهائياً على "حماس" وإجبار سكان القطاع على مغادرته وفق خطة تهجير لا يُخفى على العين المجرّدة تواطؤ وتورط واشنطن فيها، بل ودعمها بكل ما في جعبتها من أوراق الدعم السياسي واللوجستي والعسكري، في إطار سعيها الرامي لتشكيل خريطة نفوذ جيوسياسي واستراتيجي جديدة في منطقة الشرق الأوسط. وهنا يصبح الممكن مستحيلاً، وتصعب المواءمة بين السياسي الذي تريده الدبلوماسية الرامية للتهدئة وبين العسكري الاستئصالي العنيف الذي تريده آلة الحرب الإسرائيلية ومن ورائها العرّاب الأميركي الراعي للأحلام الإسرائيلية في المنطقة.
 
- إنّ ما تتوخّاه إسرائيل من حلّ استئصالي بإقصاء "حماس" أو القضاء عليها أو حتى نزع سلاحها، أمرٌ يستحيل تحقيقه في المدى المنظور إن لم يكن مستحيلاً بالمرّة؛ فـ"حماس" تنظيمٌ قوامه فكرةٌ معقّدة متجذّرة في نفوس معتقديها، روافدها الوطنية والانتماء والإيمان بالمقاومة شروط للوجود وحماية للوطن.
 
- إنّه لو قدّمت القوى الدولية الفاعلة مقترحاً بانضواء "حماس" تحت مظلّة السلطة الفلسطينية ممثلة في رئيسها الحالي محمود عباس، فإنّ إسرائيل لا يروق لها ذلك، وهي التي تتحرّك وفق سياسة "فرّق تسدّ" التي تتوخّى منها تفكيك الجبهة الفلسطينية ومنع قيام دولة فلسطينية قوية إذا ما أصبحت غزة والضفة الغربية تحت سيطرة السلطة الفلسطينية؛ إذ يؤكّد انتشار القوات الإسرائيلية في القطاع حتى الشريط الحدودي في رفح، أنّ إسرائيل تنوي احتلال القطاع برمته لا أن تتركه لحماس أو السلطة الفلسطينية.
 
- التواجد العسكري الأميركي وكذلك تواجد الناتو غير المسبوق في منطقة الامتداد الإقليمي لغزة في المتوسط، وما يتردّد في دوائر البحوث السياسية والاستراتيجية بشأن التدافع الغربي نحو هدفين رئيسيين، أولهما غاز المتوسط الكائن في منطقة الإمتداد الإقليمي المشار إليها، وثانيهما معادلة النفوذ الدولي الروسي والصيني الآخذ في التزايد منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، تلك الحرب التي لم تفلح واشنطن ومعها الناتو في ترجيح كفتها صوب كييف.
 
- إنّ أي رهان محتمل على حدوث التهدئة تحت مظلة مجلس الأمن، وتحقيق الحل الدبلوماسي المناوئ للحل العسكري الذي تتوخّاه إسرائيل، هو رهان غير مجدٍ في ظلّ يد الفيتو الأميركية المرفوعة دائماً في وجه ذلك الرهان.

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 6/10/2026 12:05:00 PM
أسقط هواجه الشخصية على حياة السيدة فيروز...
موضة وجمال 6/8/2026 2:13:00 PM
كما خطف طفلها سيليو جونيور الأنظار في إحدى اللقطات بملابس أطفال من تصميم جدّه إيلي صعب!
كرة قدم 2/15/2026 5:38:00 PM
الأهلي المصري يحسم صدارة ترتيب المجموعة الثانية في دوري أبطال أفريقيا بعد تعادله مع الجيش الملكي المغربي من دون أهداف