07-03-2024 | 05:00

خيار الجزائر... وخيار الرياض

يوم الاحد الماضي كان يوما فارقا في مسار العلاقات العربية -العربية .ففي الرياض إلتأم اجتماع على مستوى وزراء الخارجية بين مجلس التعاون لدول الخليج العربي ومصر والمغرب والأردن (كل دولة على حدة). وفي الجزائر جرى الإعلان،على هامش أعمال القمة السابعة لمنتدى الدول المصدرة للغاز، عن التوصل إلى اتفاق ثلاثي يقضي بعقد لقاء يشمل كلا من الجزائر وتونس وليبيا، كل ثلاثة أشهر في عاصمة من عواصم البلدان الثلاثة.
خيار الجزائر... وخيار الرياض
Smaller Bigger
 
يوم الأحد الماضي كان يوماً فارقاً في مسار العلاقات العربية - العربية. ففي الرياض التأم اجتماع على مستوى وزراء الخارجية بين مجلس التعاون لدول الخليج العربي ومصر والمغرب والأردن (كل دولة على حدة). وفي الجزائر جرى الإعلان، على هامش أعمال القمة السابعة لمنتدى الدول المصدرة للغاز، عن التوصل إلى اتفاق ثلاثي يقضي بعقد لقاء يشمل كلاً من الجزائر وتونس وليبيا، كل ثلاثة أشهر في عاصمة من عواصم البلدان الثلاثة. 
 
الاجتماعان يبرزان الوضعية التي يعيشها العالم العربي. هناك طريقان أو بالأحرى خياران. خيار الجزائر، وخيار الرياض. الأول يكمن في تكتل الهاربين إلى الأمام من دون أي استراتيجية مدروسة وملموسة على أرض الواقع، بينما يكمن الثاني في تكتل دول متجانسة تعرف ماذا تريد، ويجمع بينها كونها أنظمة ملكية تنعم غالبيتها بالرفاهية والأمن والاستقرار. وبالنسبة لمصر، وإن كان نظامها جمهورياً، فإنها تدخل في خانة تطابق وجهات نظرها مع دول الخليج والمغرب والأردن إزاء العديد من القضايا الإقليمية والدولية.
 
تحاول الجزائر من خلال هذا المشروع الذي ولد أعرج بسبب غياب الرباط ونواكشوط عنه، الخروج من عزلتها بعد تردي علاقاتها مع جيرانها في الساحل والصحراء، وخاصة مع مالي والنيجر، وقيام الرباط بطرح مبادرتها الأطلسية التي ستمكن دول مجموعة الساحل الأفريقي (مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد) من الاستفادة من المحيط الأطلسي، والدخول إليه مباشرة لتسويق منتجاتها وتحقيق تنمية شاملة لمواطنيها، إلى جانب مضي مشروع أنبوب الغاز الرابط بين نيجيريا والمغرب قدماً نحو تنفيذه على الأرض. ناهيك من تقارب الرباط وانفتاحها على الأنظمة الجديدة في مالي والنيجر وبوركينا فاسو والغابون.
 
إن التكتل الثلاثي بقدر ما يعد محارة فارغة، ولا يستند إلى رؤية سياسية واستراتيجية لها آفاق في منطقة حبلى بالتحديات، هو ليس سوى تحرك في إطار دبلوماسية "رد الفعل" التي تنتهجها الجزائر، إزاء النجاحات والاختراقات الدبلوماسية المغربية.
 
ثمة تخبط دبلوماسي جزائري، وقدرة جبارة على الانتقال من النقيض إلى النقيض. وكثيرون يتذكرون تصريحات أدلى بها وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف قبل أشهر قليلة لقناة "الجزيرة" القطرية،أعرب فيها عن "استعداد بلاده لمواصلة البناء المغاربي عبر الإسراع في إيجاد حل للخلاف مع المغرب يحقق التآخي ومواصلة تحقيق الحلم المغاربي".
 
تنطبق على التكتل الثلاثي مقولة "تشبت غريق بغريق". وهنا يتساءل المراقبون لتحركات الجزائر: "ماذا يمكن لهذه الأخيرة أن تقدمه لتونس وليبيا؟"، باعتبار أن هذين البلدين يعيشان منذ أكثر من عقد أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية خانقة، هذا مع العلم أن الجزائر  لا تملك اقتصاداً قوياً وصلباً ومهيكلاً يمكنها من مد يد العون للاقتصادين التونسي والليبي المترنحين.
 
هناك تساؤل آخر حول القيمة المضافة التي يمكن أن تقدمها تونس وليبيا للجزائر؟ 
لم تنهض تونس بعد من تداعيات الربيع المفترى عليه. لقد اختارت التموقع تحت مظلة الجزائر على أمل استفادتها من حل سحري يخرجها من متاعبها الاقتصادية، بينما تاهت ليبيا في صحراء الانقسامات، وابتعدت عن الوحدة منذ رحيل نظام العقيد معمر القذافي، زد على ذلك أن محمد المنفي رئيس مجلس الرئاسة يظل رئيساً شرفياً لبلد فيه غرب وشرق متصارعان.
 
إن أماني الجزائر بأن تلعب ليبيا، في وضعها الحالي، دوراً إيجابياً في التكتل الثلاثي يبقى مجرد ضرب من الوهم، وأضغاث أحلام. فهذا البلد المغاربي دخل في متاهة رمت به وسط تجاذبات إقليمية وصراعات خارجية، يصعب الخروج منها بسلام، كما أن نظامه السياسي الراهن يعيش على آليات مؤقتة في انتظار حلحلة دولية للوضع، وتحقيق الأمن والاستقرار. بلد للأسف لا تنقصه الثروات والقدرات البشرية بقدر ما يفتقد حكمة أفرقاء النزاع.
 
لقد أعطى خلق الجزائر لهيكل بديل لاتحاد المغرب العربي، الانطباع بأنها نفضت يدها من هذا الاتحاد الذي يعيش منذ عام 2005 حالة وفاة سريرية، عقب فشل التئام القمة المغاربية في طرابلس، والحقيقة أن المبادرة الجزائرية عجلت بدفن "الميت المغاربي" الذي ساهمت في فنائه، إكراماً له.
 
فالجزائر لم تؤمن قط باتحاد المغرب العربي منذ نشأته عام 1989 في مراكش، بقدر ما آمنت باتحاد على مقاسها. فهي روجت دائماً لـ"مغرب الشعوب" على حساب "مغرب الدول" آملة في إدخال صنيعتها "الجمهورية الصحراوية" التي أنشأتها منذ عام 1976 فوق أراضيها، إلى "منظومة مغاربية" تكون خاضعة لها بالتمام والكمال.
 
تحاول الجزائر أيضاً من خلال التكتل الثلاثي الإيهام بأنها صاحبة الغالبية العددية في المنطقة المغاربية. فمن بين الدول الخمس التي يتشكل منها "اتحاد المغرب العربي"، الذي قصمت ظهره، ظفرت الجزائر بتونس وليبيا، بينما ظل المغرب وموريتانيا خارج هذا السرب الثلاثي.
 
إن اتحاد المغرب العربي انطلق في 17 شباط (فبراير) 1989، وفي خاصرته جرح الانفصال الذي اقترفته الجزائر، وهو جرح غائر ظل يعيق سرعة قطار الاتحاد الذي لم يصل قط إلى مبتغاه.
 
فعن أي اتحاد مغاربي نتحدث؟ والجزائر تستضيف فوق أراضيها ميليشيات (جبهة البوليساريو) مسلحة بأعتى أنواع العتاد والأسلحة، ولا تكف عن مناكفة المغرب والإضرار بوحدة ترابه تحت مسمى "حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره". وكيف يا ترى سيكون موقف الجزائر لو استضاف المغرب فوق أرضه حركة تقرير المصير في منطقة القبائل «الماك» التي تطالب بالاستقلال، وسلحها من أجل شن هجمات عليها؟
 
وسط لجة ما سبق ذكره، تبدو دول الخليج العربي ومصر والمغرب والأردن، ماضية على سكة واحدة، وعلى إيقاعات متناغمة ومتجانسة رغم بعض التباين في بعض المواقف ووجهات النظر.
 
لقد لخص العاهل المغربي الملك محمد السادس علاقة بلاده بدول الخليج في خطاب ألقاه في القمة الخليجية بالرياض في نيسان (أبريل) 2016، مما جاء فيه "رغم المسافات الجغرافية التي تفصل بيننا، توحدنا روابط قوية لا ترتكز فقط على اللغة والدين والحضارة، وإنما تستند أيضاً على التشبع بالقيم والمبادئ والتوجهات نفسها".
 
وزاد قائلاً إن "الشراكة المغربية-الخليجية، ليست وليدة مصالح ظرفية، أو حسابات عابرة، وإنما تستمد قوتها من الإيمان الصادق بوحدة المصير، ومن تطابق وجهات النظر، بخصوص قضايانا المشتركة".
 
إن الحالة العربية الراهنة في حاجة إلى إعادة النظر في آليات مؤسسات العمل العربي المشترك. فجامعة الدول العربية في وضعها الحالي، أصبحت من الماضي، وغير متلائمة مع التغيرات التي تعرفها العلاقات العربية - العربية.
 
ولعل المشهد، كما بدا الأحد في الرياض والجزائر، يتطلب التحرك بسرعة لجهة تقوية التحالف الخليجي - المصري - المغربي - الأردني. فهذا التحالف كفيل وحده بخلق آليات جديدة للعمل المشترك بين دول عربية متقاربة ومتناسقة، وتتطلع إلى مستقبل مشرق عماده الثقة والتوافق والاحترام المتبادل.

الأكثر قراءة

ثقافة 4/19/2026 8:10:00 PM
إيرادات "سوبر ماريو غالاكسي" تقترب من 750 مليون دولار عالمياً.
ثقافة 4/20/2026 10:31:00 PM
لماذا يبدو "سوبر ماريو" معاصراً؟
ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
دوليات 4/26/2026 12:15:00 AM
جريمة صادمة في مكسيكو سيتي: مقتل ملكة جمال سابقة بـ12 رصاصة على يد حماتها