04-02-2024 | 06:00

باكستان... القوة الرشيدة في البؤر المضطربة

فطنة باكستان نالت إعجاب الأصدقاء الذين يُريدون لها الخير، بينما وفي الوقت ذاته أغضبت الحاقدين عليها والكارهين لها؛ لأنهم كانوا يتوسَّمون وقوعها في براثن الصِّراعِ وأتون الحروب، ولكنها بكياسة مُنقطعة النظير فضَّلت السَّلامَ، وسَعت له -كما هو حالها طوال عقودها الماضية.
باكستان... القوة الرشيدة في البؤر المضطربة
Smaller Bigger
لم تغْتر باكستان بقوتها العسكريَّة التي تجعلها واحدةً من بين أقوى 10 جيوشٍ في العالم، ومن الدول المعدودة على أصابع اليدِّ التي تمتلك قدرات نوويَّة، وتنزلق إلى حربٍ في المنطقة حاول البعض جرَّها إليها. فقد رأينا الردَّ الباكستاني الحاسم والسريع على ضربة جارتها إيران؛ حينما تعلَّلت الأخيرة بأنها تستهدف عناصر إرهابيَّة على أراضيها، حيث كان مُماثلًا وبالأسلوب العسكريِّ نفسه، وحتى التصريحات التي خرجت من وسائلها الإعلاميَّة الرسميَّة أكَّدت أنها قصفت عناصر إرهابيَّة أيضاً.
 
فطنة باكستان نالت إعجاب الأصدقاء الذين يُريدون لها الخير، بينما وفي الوقت ذاته أغضبت الحاقدين عليها والكارهين لها؛ لأنهم كانوا يتوسَّمون وقوعها في براثن الصِّراعِ وأتون الحروب، ولكنها بكياسة مُنقطعة النظير فضَّلت السَّلامَ، وسَعت له -كما هو حالها طوال عقودها الماضية.
 
 
 
 
لا شك في أن القيادة السياسيَّة الرشيدة بباكستان عاملٌ رئيسي في استقرار هذا البلد ، فكم من مرَّة تنأى ببلادها عن الدخول في مُنعطفات الحرب مع الجارة المُلاصقة الهند، رغم التوتُّرات التي كانت، وما زالت بينهما بسبب إقليم كشمير المُتنازع عليه، إلى جانب الثمن الباهظ الذي دفعته إسلام أباد، منذ استقلالها، للقضاء على الإرهاب الذي أَزهق أرواح 83 ألف شخص، وكبَّدها خسائر تجاوزت نحو 150 مليار دولار، بحسب تصريحات لرئيس الوزراء السابق شهباز شريف.
 
ولمَنْ لا يعلم؛ فإن النزاع الهندي-الباكستاني قائمٌ منذ نحو 70 عامًا، ورغم أنه خاملٌ معظم الوقت، فإنه ومن وجهة نظر الخبراء والمحللين السياسيين والعسكريين قابلٌ للتجدُّد في أيِّ وقتٍ، ويُهدِّد بين لحظةٍ وأخرى بإشعال فتيل الأزمة بين البلدين، بسبب هذا الإقليم الغني بموارده الطبيعيَّة، إضافةً إلى طبيعته الخلَّابة التي تجعله مطمعًا للطرفين منذ العام 1947، والذي لم تفلح الوساطات والتدخُّلات المُتعدِّدة من بعض الأطراف أو من خلال الأمم المتَّحدة في إنهائه، وكان مصيرها محكوما عليه بالفشل.
 
خاضت باكستان على مدار تاريخ النزاع المُمتد مع نيودلهي على إقليم كشمير أربع حروبٍ، ورغم مراوغات وتضارب قرارات الهند المختلفة على طول الخطِّ؛ فإن كلَّ حربٍ منها كان مآلها العودة لحالة الهدوء النسبي، ومن ثمَّ استقرار الوضع وبقاءه مُعلّقًا كما هو عليه دون حلٍّ نهائيٍّ للمُعضلة الأطول بينهما، وفي الكثير من الأحيان كان تدخُّل الأمم المتَّحدة، إلى جانب رغبة الطرفين في التهدئة، سببًا في وأد الفتنة التي وصلت إلى ذروتها عام 1999، عندما أعلن كلا البلدين أنهما قوة نووية، ولكن الأمور مرَّت بسلامٍ حينذاك، فالاستجابة للاستفزازات الموجودة وقتها كانت ستُدمِّر المنطقة بأكملها بلا أدنى شكٍ، وللعالم تجربة مريرة في الحرب العالمية الثانية؛ حين ألقت الولايات المتَّحدة الأميركيَّة قنبلتين نوويتين على اليابان.
 
في غضون عام 2019، انتفضت إسلام أباد ووضعت قواتها المسلَّحة في حالة تأهُّب وجهوزيَّة؛ بعد قيام الهند بإلغاء الحُكم الذاتي لولاية جامو وكشمير الواقعة في الهيمالايا، ولكن لم يُطلق حينها الرَّصاص، رغم إعلان الجانبين النفير العام، ووجود احتجاجات واسعة من المُوالين لباكستان على القرار الهندي، وتمثَّل الموقف الرسمي لإسلام أباد في سلوك الطرق الشَّرعيَّة؛ من خلال التوجُّه لمجلس الأمن الدوليِّ.
 
بالطبع انعكست الأجواء المُتوتِّرة التي تُحيط بباكستان على أدائها الاقتصادي؛ فقد فشلت الدولة الإسلاميَّة في تحقيق أيٍّ من أهداف النمو المأمولة لسكانها، بل إن غالبية قطاعات الاقتصاد فشلت في تحقيق نجاحاتٍ تُذكر، سواء في التجارة أو الصناعة أو الزراعة أو غيرها من القطاعات، فقد أنهكت الحروب قوة باكستان واستنزفت مواردها، وبلغت ديونها المُستحقَّة عليها في الخارج قُرابة 100 مليار دولار، بينما وصل التضخُّم لأعلى مستوياته في البلاد.
 
لهذا كله، اكتفت باكستان في الردِّ على جارتها إيران بما يسمح بالحفاظ على كبريائها أمام الجميع، من دون تضخيم الأمور التي لانت مباشرةً بعد تواصلٍ رسميٍّ رفيع بين الجانبين، قَضى على الشوائب التي عَلقت بتلابيب العلاقات بينهما، مُعلنتين أنه لا مجال للخلافِ بين الجارين، وهذا يتماشى مع التوجُّه الباكستاني لإنهاء التوتُّرات مع الهند؛ حتى تتمكَّن من توجيه الأموال التي تُنفقها على الجوانب العسكريَّة إلى القطاعات التنمويَّة، لا سيما التعليم والصحة العامة التي تشهد ترديًا في البلاد.
 
وفي خضم الحديث عن باكستان، لا نغفل الحديث عن التوتُّرات على الحدود الباكستانيَّة من جهة الشمال الغربي، حيث تُوجد أفغانستان، تلك البقعة الساخنة التي لم تهدأ منذ عهد الاتحاد السوفياتي، مرورًا بانهياره وبروز حلف الناتو، وانتهاءً بحُكم طالبان، وما زال شبح الحروب والاقتتال يُلقي بظلاله عليها، ما يُهدِّد أمن وسلامة باكستان، التي عملت على تطوير نظام لتسهيل التجارة والتأشيرات أسهم في زيادة الصادرات الأفغانيَّة إلى باكستان، وكان وما زال مصدرًا مهمًا لإيرادات الأفغان العاديين. كما تُقدِّم إسلام أباد دورات تدريبية لبناء القدرات للمؤسسات الأفغانيَّة؛ حتى تضطلع بدورها وتستعيد توازنها وتعود إلى سكة النمو والتنمية، وتتخلَّص من موروثٍ ثقيل من الخراب والتدمير خلَّفته الحروب المُتلاحقة على مدار العقود الماضية.
 
باكستان على المستوى الدبلوماسي والسياسي تتمتع بعلاقاتٍ واسعةٍ مع العديد من دول المنطقة، وفي القلب منها المملكة العربيَّة السعوديَّة، فقد داومت الرياض على دعم إسلام أباد اقتصاديًا مرات عديدة، وأنقذتها كثيرًا من خلال المِنح والقروض والاستثمار في السوق الباكستانية، لا سيما بعد العقوبات التي تعرَّضت لها إسلام أباد، في أواخر القرن الماضي، بعد إجرائها تجارب نووية، إلى جانب التعاون العسكري والتدريبات المُشتركة واسعة النطاق بينهما.
 
وانضمت باكستان، عام 2017، ضمن 41 دولة، إلى التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب والذي تقوده المملكة، إلى جانب أن هناك ما يزيد على 2.5 مليون باكستاني يعيشون في السعوديَّة ويعملون هناك، ما يُبرهن على متانة العلاقات بين الطرفين.
 
هذه هي باكستان الدولة الإسلامية الوحيدة التي يعترف العالم بامتلاكها سلاحًا نوويًا جعلها في المركز السابع بين ترتيب الجيوش عالميًا، ولكن قوتها الاقتصاديَّة ليست بهذا القدر، لذلك تسعى لتطوير ذاتها من خلال الانفتاح على العالم، وهو ما تمضي فيه قدمًا بخطوات مُتسارعة خلال الآونة الأخيرة؛ لتستعيد عافيتها وتكون قوةً متكاملة الأركان في شتَّى المجالات.

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 6/10/2026 12:05:00 PM
أسقط هواجه الشخصية على حياة السيدة فيروز...
موضة وجمال 6/8/2026 2:13:00 PM
كما خطف طفلها سيليو جونيور الأنظار في إحدى اللقطات بملابس أطفال من تصميم جدّه إيلي صعب!
كرة قدم 2/15/2026 5:38:00 PM
الأهلي المصري يحسم صدارة ترتيب المجموعة الثانية في دوري أبطال أفريقيا بعد تعادله مع الجيش الملكي المغربي من دون أهداف