علَّمَنا التاريخ أنّ المفاوضات هي الشق المُتمِّم لكلّ حرب عسكريَّة، وأنّها البداية لأيّ مسار سياسي يُفضي في نهايته إلى استقرار دائم، ويفرضُ الأمنَ والأمانَ بين الدول والشعوب، فما كانت الحروبُ يوماً الطريق الوحيد للسلامِ المأمول والمطلوب، وستظلّ التناحرات والتنازعات موجودة، والحقوق مسلوبةً، ما دامت المفاوضات التي تُوحد الآراءَ والرؤى موؤودة، وهذا هو المعيار الذي ينْبغي أن يكون في أُفق أيِّ نزاعٍ قائمٍ حولنا، لا سيما ذلك الَّذي تسبَّب في إراقةِ دماءِ آلافٍ من الشَّعبِ الفلسطينيِّ، ودمَّرَ البنيةَ التحتيَّةَ، وأعادَ كلَّ شيءٍ إلى نقطة الصفرِ.
وما كان ليكون هناك استتباب للأمنِ فِي الكثير من مناطق النِّزاع حول العَالَمِ من دون عملية السَّلامِ تحت مظلة المفاوضاتِ، بدايةً من حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973 بين الشقيقة مصر وإسرائيل، وصولًا إلى حرب تموز (يوليو) 2006 في لبنان، الَّتي دارت رحاها بين "حزب الله" وإسرائيل، وقد توقفت الأولى بزيارة الرئيسِ المصريِّ الراحلِ محمد أنور السَّادات المُباغتة إلى الكنيست الإسرائيلي؛ لإتمامِ مُعاهدة سَلامٍ، تتويجًا لسلسلةٍ مِن المُفاوضاتِ بين الجانبين، كانت قد جرتْ برِعايةٍ أميركيةٍ.
وأمَّا الحرب الثانية، فقد وضعت أوزارها بالاتفاقِ على تعزيز قوات حِفظ سلامٍ الدوليّة "يونيفيل" في جنوب لبنان، وهو ما أدّى حينها إلى وأْد الصِّراعِ المُسلَّحِ الدائرِ بين المقاومةِ اللبنانيَّةِ المُتمثِّلةِ فِي "حزب الله" من جانبٍ والإسرائيليين مِن جانبٍ آخر، وتمَّت السَّيطرةُ على الموقف لوقْف نزف الخسائرِ فِي البشرِ والحجر، وحَقن الدّماء، وحفظِ حَقّ الحياةِ الآمنةِ للمدنيين، الذين كانوا فريسةَ الصِّراعاتِ العسكريَّةِ فِي الأزمانِ والمواقفِ كافةً.
مَا أَشْبَهَ الليلة بِالبارِحة، فما حَدثَ فِي السابعِ مِن تشرين الأول (أكتوبر) 2023 يُذكِّرنا بمحطاتِ النِّزاعِ المُتكرِّرةِ بين إسرائيل وبعض الدِّول العربية، فمَنْ وَصَل إلى السَّلامِ والاستقرارِ لم يكن له ليصل إلى ذلك لولا المفاوضات، ومَنْ تشبّث بقوة السِّلاحِ، وتكلّم بلغة الحديد والنار على طول الخط، ظل عائمًا فَوق بَحرٍ مِن الدِّماءِ اختلطَ فيه المَدني البَريء بحَامِلِ السِّلاحِ، وكلَّما تطوَّرت آلةُ الفتكِ كانت الزيادة المُطّردة فِي حَجمِ الخَسائرِ، فما كان يَحدث في أثناء الانتفاضةِ الأُولى بإلقاء الحِجارة، يُقابله ردّ فِعل إسرائيلي- ربما فِي الأغلب - الرَّصاص المطاطي أو الحيّ، ولم يحدث فيه هَدم المنازلِ على رؤوسِ قاطنيها كما نَرى اليوم.
ومن الصحيح أنّ سُمعة إسرائيل في التزامِ ما أَفْضت إليه المفاوضات لَيست جيدة - أوسلو أنموذجًا – وأنّ أَمدَ المُفاوضات طويل وحَصاده قد يَكون بَعيدًا "وقتيًا"، ولكنه الحلُّ المَضمونُ حاليًا من أجل التوصُّلِ إلى تَوافق متوازن ورُؤية مُتقاربة بين الأطراف المَعنيَّةِ، ولكن تظلّ طاولة الحِوارِ هي الخِيار الأَمثل الَّذي يُحافظ على الحياة الآدميةِ بعيدًا من القتل والقصف وإزهاق الأرواح.
والشواهد التاريخيَّة تؤكِّد أنّه كلَّما استخدم الغَزّيون - حركات المقاومة - السِّلاحَ، كانت النتيجةُ سَلبيةً ودَموية على المَدنيين الَّذين يَأملونَ فِي عيش هَني رغيد خَال مِن أَزيز الرَّصاصِ ونِيران المِدفعيةِ، ولن يُحقّق لهم مُبتغاهم سوى المفاوضات، بعدما اكتوَوا بنيران الحَربِ في عقود طويلةٍ بدأت فِي العام 1948.
إسرائيل وضعت أَهدافًا ثلاثة مِن وَراء حَربها على غزَّة، يَأتي فِي مُقدِّمتها السَّيطرةُ على القطاعِ مِن جَديد، والَّذي كانت تُسيطر عليه حركةُ "حماس" منذ أنْ تسلّمته بعد حَربٍ أَهليَّةٍ لم تسْتمر طويلًا عام 2007 مع حَركةِ فتح الَّتي يتزعَّمها الرئيس الفلسطينيُّ محمود عباس (أبو مازن)، ويبدو أنّ الواقعَ يُشير إلى اقترابِ إسرائيل مِن هَدفها المزعوم؛ لأنّها دكَّت القطاعَ، ودمَّرت 50% مِن البنى التَّحتيَّة حتى الآن، وبات توغّلها والسيطرة عليه مسألة وقت، وهنا تكون المفاوضات بهدف انسحاب إسرائيل من القطاعِ.
ومن ثمّ؛ فإنَّ مَا فَعلته الحَرب هو نحو 50 ألف ضحيَّة مِن الفلسطينيين بين شَهيد وجريح، من دون أيِّ إيجابيات يُمكن ذِكرها فِي هذا الإطار، هذا في حَال افترضنا نجاح المفاوضات أو تحقيق هذا الأمر وتوقف الحرب، في حين أنّه كان أمام المفاوضات الَّتي عَادت للحَديث مِن جديد قَبل الحَربِ بشهورٍ قليلةٍ مجال للحديثِ عن سَلام دَائم وشَاملٍ مِن خلال حلِّ الدولتين.
لقد كانت القضية الفلسطينيَّة طيِّ النسيانِ منذ اتفاقات أوسلو تقريبًا؛ نظرًا لِما مرَّ به العالمُ مِن أحداثٍ جِسامٍ جَذبتْ إليها الرأي العام الدوليّ، بدايةً مِن أحداث 11 أيلول (سبتمبر) في نيويورك، مروراً بغَزو العراق وحَرب لبنان 2006، وحرب جورجيا، والربيع العربي، إلى جانب أحداثٍ أخرى مثل جائحة كورونا، وأخيرًا الحرب الروسيَّة- الأوكرانيَّة التي تعني الدول الكبرى كلها تقريبًا؛ فهي مشتركة فيها إمّا على الأرضِ أو بدَعمِ أَحد الأطرافِ.
وعندما بدأ الحديث عن المفاوضات يتجدَّد، كانت عملية "طوفان الأقصى" حاضرةً لتوقُّف المَساعي الرَّامية للعودة إلى طَاولة الحوار، تمهيدًا لحَل شَاملٍ لأزمةٍ بدأت قَبل قَرنٍ إلَّا ربع مِن الزمانِ، وكان التفاؤلُ يُحيط بها؛ أملًا في الوصولِ إلى اتفاقٍ يَقضي بحلِّ الدولتين، فلسطين وعاصمتها القدس الشرقيَّة إلى جانب إسرائيل.
وأما المفاوضات التي ستبدأ في أعقاب الحَرب الحَالية الَّتي ستتوقَّف يومًا ما، سواء كان وقتها قريبًا أو بعيدًا، سيكون سقفها محدودًا، وربَّما يكون العودة إلى ما كان عليه الوضع قبل 2007، وخروج "حماس" مِن المشهدِ السياسيِّ، فِي حين كان المأمولُ العودةَ إلى 4 حزيران (يونيو) 1967.
وعند الحديث عن هدف إسرائيل المُتمثِّل فِي إزاحةِ "حَماس" عَن خَريطة الحياة السِّياسيَّة والمقاومةِ فِي فلسطين، فلن يكون تحقيق هذا الهدف ممكنًا؛ لأنَّ الحَركةَ مُتوغلةٌ فِي كلِّ بيتٍ غَزيٍّ، وإن قُضي عليها تنظيميًا، ففكرُها قائمٌ فِي الأذهان تَحفظه العقولُ، وتَحمله الأجيالُ جيلًا تلو الآخر.
رِسالتي لكلِّ الأطرافِ، أن يُحكِّموا عقولَهم، وأن يتشبّثوا بطريق الحوارِ، وأن ينتهجوا المفاوضات، وينكّسوا السّلاح المُصوَّب تجاه المَدنيين، ويوقفوا الغاراتِ الَّتي تقصف البنَّايات فوق رؤوسِ ساكنيها، والتي أدت إلى تشريدِ قرابة مليوني مدني فِي الجانبين، تركوا منازلَهم هربًا مِن نِيران الحَربِ، وبحثًا عَن أماكن آمنة مُستقرَّة، لتبدأ بعد ذلك مرحلة الإعمار لمنشآت القطاع ومبانيه الَّتي تهدّمت. وها نحن الآن مقبلون على فصل الشتاء، ويحتاج المدنيون إلى منازل تَقيهم صقيعه وبرودته القاسية التي لا يتحمّلها النازحون وسكان الملاجئ هناك، لا سيما الأطفال منهم والعجائز.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
فن ومشاهير
6/10/2026 12:05:00 PM
أسقط هواجه الشخصية على حياة السيدة فيروز...
موضة وجمال
6/8/2026 2:13:00 PM
كما خطف طفلها سيليو جونيور الأنظار في إحدى اللقطات بملابس أطفال من تصميم جدّه إيلي صعب!
كرة قدم
2/15/2026 5:38:00 PM
الأهلي المصري يحسم صدارة ترتيب المجموعة الثانية في دوري أبطال أفريقيا بعد تعادله مع الجيش الملكي المغربي من دون أهداف
نبض