07-10-2023 | 06:00

عن التقارب السعوديّ - الإسرائيليّ

لا يُعقل أن يكون الرّبع الأوَّلُ من القرن الحاديْ والعشرينَ على مشارف الانتهاء، ويبقى المتحكِّمُ في علاقاتِ الدولِ خلافاتٌ بأثرٍ رجعيٍّ ضَرَرُها أكثرُ من نفعها،
عن التقارب السعوديّ - الإسرائيليّ
Smaller Bigger
 لا يُعقل أن يكون الرّبع الأوّل من القرن الحادي والعشرينَ على مشارف الانتهاء، ويبقى المتحكِّمُ في علاقاتِ الدولِ خلافاتٌ بأثرٍ رجعيٍّ ضررُها أكثر من نفعها، وتؤدي إلى تعطيل خطط الحكومات في التنمية والتقدُّم، وإلى توريث المشكلات للأجيال المقبلة - جيلًا بعد جيلٍ - دون أن تكون قد عَاشت هذه الأجيالُ منابع الخلاف أو تسبَّبت بحدوثه، ومن ثَمَّ، فمن غير المنطقيِّ أن تُعانيَ ويلاتِه وتداعياتِه التي لا ذنبَ لها فيه.
 
    هذا بالتحديد ما آمنتْ به المملكةُ العربيَّة السعوديَّةُ، في ظل قيادة حَكيمة تتمتَّعُ بالعقلانيَّة في إدارة شؤون البلادِ داخليًا وخارجيًا، وهي في طريقها إلى تحقيق رؤيتها لعام 2030، التي أطلقها سمو الأميرِ محمدِ بنِ سلمانَ - وليِّ العهد - في 2016، فقد اتخذ مسارًا أكثر حِكمةً ورُشدًا في تحديد أُطر السياسة الخارجيَّة للتعامل مع دول العالم، ولا سيّما المحيطة والمحوريَّة في المنطقة.
 
    مَن كان يُصدِّق قبلَ عشر سنواتٍ أنْ تطويَ المملكةُ العربيَّة السعوديَّة وإيرانُ صفحةَ الخلاف الذي دام بينهما عقوداً، وكان مُتجذِّرًا في الأفكار والرُّؤى والتوجّهات، ومستغرقًا في الوجدان، فقد كانت المصالح شبهَ مُتعارِضةٍ، وتقفُ الدولتانِ على شفا حربٍ ربما تذهب بالمنطقة إلى بُؤرة صراع تنتهي إلى مهاوي الرَّدى، وحرائق لن يكون بإمكان أحدٍ إخمادها أو الوقوف على خسائرها؟
 
    لم تكنِ السعوديَّة يومًا مُنغلقةً على نفسها، أو صُلبة تجاه ما يحتاج إلى جانبٍ من اللِّينِ، بل على العكس تمامًا؛ فهي التي تُبادر في كل مَحفلٍ إقليميٍّ أو عالميٍّ بطرح الحلول لمشكلات محيطها العربي ولجيرانها وأصدقائها الدوليين ومداواة أوجاعهم، وتؤدّي في ذلك دورًا لا يُمكن إغفالُه أو جُحوده ونُكرانه، وما انتهجته المملكةُ في أزمة طهرانَ معها خيرُ دليل؛ فقد استمعتْ إلى الوسيط الصينيِّ الذي جاء مُرافقًا لجارها الإيرانيِّ، فأبدت قيادة مملكتنا الرشيدةِ أَماراتِ الصَّفح والعفو، وقَبلت الجلوس إلى طاولة الحوار، وحُسم الأمرُ باتفاقٍ على استئناف العلاقاتِ والعودة إلى طبيعتها، وتوديعِ سنواتِ الجَفَاء بين البلدين.
 
    وكشف الأميرُ محمدُ بنُ سلمانَ بنحوٍ واضحٍ وصريحٍ - اتساقًا مع هذا التوجُّه السعودي نحو السَّلام، وفيما يتعلق بإسرائيل -  خلال حواره مع شبكة فوكس نيوز الأميركيَّة- عن موقف المملكة من التطبيع مع تل أبيب وإقامة علاقاتٍ معها، على غرار عددٍ من الدول العربيَّة بدأت بمصرَ، مارَّة بالأردن والإمارات والسودان والمغرب قبل أن تصِل إلى البحرين، ويبدو أن قطارَ السَّلام مازال في طريقه إلى جهاتٍ أخرى تُؤمِنُ بأنَّه السبيل للعيش والاستقرار في عالمٍ تنقلب عليه الطبيعة من آنٍ لآخر، وتُخفي معالم من أجزائه.
 
    وجاء في أثناء اللقاء الذي حَظي بمتابعة دوليَّة واسعة، وأحدث دوِيًّا كبيرًا، وتناقلت كُبرَياتُ وِكالاتِ الأنباء كل ما صرَّح به الأميرُ محمد بن سلمانَ - حفظه الله - قوله: "إذا حقَّقنا انفراجةً في التوصُّل إلى اتفاقٍ يُوفِّر للفلسطينيين احتياجاتهم، ويجعل المنطقة هادئةً، فسنعملُ معَ أيِّ شخصٍ موجود هناك، ونقترب كلَّ يومٍ من اتفاقٍ مع إسرائيلَ والقضية الفلسطينية بالغةِ الأهمية لمسألة تطبيع العلاقات مع إسرائيل".
 
    إنَّ المُتمعِّنَ فيما صرَّح به وليُّ العهدِ يُدرك بما لا يتركُ مجالًا للشك أنَّه أمام قائدٍ يتَّـسِمُ بالحِكمة في الفكر والتوازنِ في الرُّؤى والإصابة في اتخاذ القرارات التي لم تكن عبثًا ولا بمحض المُصادفة، وإنما جاءت لرجلٍ مهمومٍ بقضايا بلاده ومحيطه العربي، يتحدَّث بلسانِ الواقع وطموحاتِ المستقبل، خاصةً عن تلك الدول التي عانت طويلًا الصِّراعاتِ واستنزافَ المواردِ وتَغَـوُّلِ الأطماع. ولِمَ لا؟ وهو الذي يسير على نهج والدِه خادمِ الحرمَيْنِ الشريفَينِ، وجدِّهِ الملكِ المؤسِّسِ عبدِ العزيز آل سعود - رحمه الله – ولا أدلَّ على ذلك من أنَّه وَضعَ قضيةَ العرب الأولى على رأس جدول أيِّ مفاوضاتٍ مع الجانب الإسرائيليّ؛ ليبقى الدعمُ السعودي للأشِقَّاء مُمتدًا طوالَ قرنٍ إلا رُبعاً من الزمان تقريبًا.
 
    يأتي هذا في طريقٍ مُتوازٍ مع حرص المملكةِ على تحقيق طموحات شعبها، وحقّه في إقامة علاقاتٍ متوازنةٍ مع مختلف القوى حول العالم، فالقطيعةُ لن تحلَّ مشكلةً أو تضع حدًا للصِّراع الإسرائيلي - الفلسطيني، وإلَّا كانت عشراتُ السنواتِ الماضية قد شهدت حلًا جَذريًا لواحدةٍ من أطولِ صراعات العالم وأعتاها وأكثرها تعقيدًا طوالَ عقودٍ من فتور العلاقات بين إسرائيلَ والعرب.
 
   لم تَكِلّ المملكةُ أو تَمَلّ من تقديم يدِ العَوْنِ للأشِقّاء في فلسطينَ - كما غيرها - وإنْ بدا من بعضهم موقفًا لا يُوصَفُ إلَّا بالمراهقة السياسيَّة – إن صحَّ التعبير - وضيق الأُفق في إعمال العقل، وخروج الحسابات عن صحيح المنطق، تلك الحسابات التي لا تصلحُ في موازين العلاقات بين الدول والشعوب بعضها ببعضٍ، وجميعُها لن يُؤثِّر في موقف السعوديَّة "الكبيرة" التي تفرض عليها مكانتُها احتواءَ كلِّ الفُرقاء بلا استثناء، سواء كان منهم من هو بَليدُ الفَهْم أو جاحدٌ أو ناكرٌ لجهود الدول العربيَّة تجاه شقيقتهم المَكْلُومة، فما تنهضُ به المملكة لا تبتغي منه جزاءً من "حمساوي" ولا شكورًا "فتحاوياً ".
 
     ومعَ  أنَّ هِمّة بعضِ الفصائل - ممَّن تُطلق على  نفسها المقاومةَ - لم تَفْتُرْ من ارتماء نفسها في أحضان دولٍ إقليميَّة تلقي إليها بالفُتات، أو تدّعي مساندتَها، فتَدينُ لها بالولاء، وتُقدِّمُ بين يدَيها فروضَ الطاعة في كؤوسٍ تراها من ذَهَبٍ، ولكنها في حقيقة الأمر رَشَفَاتُ الذُّلّ ومَرارةُ الاستعباد والاستبعاد في آنٍ معًا، متناسيةً 75 عامًا من دَعْم الرياضِ الماديِّ والمسانَدةِ في كلّ المحافلِ الدوليَّة، بعيدًا من أيّ مصلحة أو انتظار مقابل، فإنَّ السعوديَّة، في المقابل، ربأَت بنفسها، ولم تأبَهْ بهذا الهُرَاء هُنَيهةً، ولم تأخذِ الغالبيَّة بذنْبِ  الشِّرْذِمَة، انطلاقًا من وازعٍ دينيٍّ وقوميٍّ وإنسانيٍّ لا يُدركُه قادةُ هذه الفصائلِ القاطنون في مُنتَجَعات أوروبا ومختلف بقاع الشَّتَات، فهُمْ لم يعانُوا يوماً بَتاتاً كما عانى أهلُهُمُ القابعون في الأرض، ولم تُصِبْهُمْ حَسَراتُ الفَقْد وآلام الفراق؛ لكونهم فرُّوا مبكرًا برُفقةِ آبائهم وذويهم منذ أن كانوا صغارًا، وشبُّوا وشابُوا على الشعارات التي يتَّخذونها سلعةً يُتاجرون بها حتى اليوم.
 
     ومما قالهُ الأميرُ محمد بن سلمان، في معرض حواره مع شبكة "فوكس نيوز" الأميركيَّة أنَّ "المفاوضات معَ إسرائيلَ جاريةٌ لم تتوقَّف، بل كلَّ يومٍ نقتربُ أكثرَ فأكثر، يبدو الأمرُ جديًا لأوَّل مرة، ويُمكن العمل معَ إسرائيلَ، لتُعَدَّ بذلك أكبرَ صفقةٍ تاريخيَّةٍ منذ نهاية الحربِ الباردةِ بناءً على اتفاقياتٍ تتعلَّق بمعاملة الفلسطينيين"، وهي كلماتٌ لها دلالاتٌ طيّبة، مُفعَمةٌ بالأمانيّ للفلسطينيّين، ورسائلُ طَمْأَنةٍ فَحواها أنَّ المَملكةَ معَكُمْ، وفي صَفِّكُم، ولن تتخلَّى عنكم، ولن يكونَ التطبيعُ معَ إسرائيلَ مُتعارضاً مع الأعراف السعوديَّة والتزاماتِها التي قطعتْها على نفسها منذ التأسيس، أو تُناقض تعهُّداتِها بشأن العمل على الوصول إلى حلٍّ أبديٍّ للقضية، والتزامها حفظَ الحقوقِ التاريخيَّةِ للشعبِ الفلسطينيِّ.
 
     إنَّ إسرائيلَ - بلا مُوارَبة أو غَضّ الطَّرْف في وَضح النهار - باتت أمرًا واقعًا في المنطقة، وقوةً اقتصاديَّةً لا يمكن الاستهانةُ بها أو تجاهلها، وها هي تخطب وُدَّ دولنا العربيَّة، على مدار السنوات الماضية، وكان حقًا للقدس علينا أنَّنا لم نُشِحْ وجوهَنا عنها يومًا، على الرغم من انكباب بعض القوى الفلسطينيَّة على بناء جسور التواصل مع تل أبيب على أطلال قضيَّتهم العادلة التي باتت مادةً خِصبةً للمتاجَرة بها أمام العالم.
    هذا، وإنَّ العاقلَ هو مَنْ يتجاوزُ مَحَطَّاتِ النزاعِ، ويعبُرُها إلى بَـرِّ السلامِ والمصالح، كل ذلك من أجل تحقيق المَنفعةِ المتبادَلة مع باقي الدول.


الأكثر قراءة

فن ومشاهير 6/10/2026 12:05:00 PM
أسقط هواجه الشخصية على حياة السيدة فيروز...
موضة وجمال 6/8/2026 2:13:00 PM
كما خطف طفلها سيليو جونيور الأنظار في إحدى اللقطات بملابس أطفال من تصميم جدّه إيلي صعب!
كرة قدم 2/15/2026 5:38:00 PM
الأهلي المصري يحسم صدارة ترتيب المجموعة الثانية في دوري أبطال أفريقيا بعد تعادله مع الجيش الملكي المغربي من دون أهداف